د.ذِكْرُ الرحمن
حاولت الهند، ومعها البرازيل، وروسيا وجنوب أفريقيا، تجسير الفجوة بينها بشأن القضايا المختلف عليها، وذلك في القمة الثامنة لدول مجموعة «بريكس»، في محاولة منها، لتأكيد نفوذهم كأعضاء في مجموعة، يُنظر إليها على أنها تمثل بديلاً للتجمعات الغربية، وتعمل من أجل حماية تطلعات الدول النامية. وفي حين أن الدول الخمس، لم تتمكن من حل خلافاتها العديدة، فإن عقد اجتماع بين أكبر الدول الصاعدة في العالم، يوفر من دون شك، فرصة لقادة تلك الدول للتلاقي، ومناقشة القضايا العالمية المهمة، ورؤية ما إذا كان من الممكن لهم أن يتفقوا على أرضية مشتركة بشأن تلك القضايا.
وفي نهاية القمة التي عقدت في ولاية «جوا» الواقعة غرب الهند، قرر قادة دول «بريكس»، أنهم سيعملون على تقديم المساعدة من أجل دفع الاقتصاد العالمي للأمام، وسيتعهدون في الآن ذاته، بمكافحة الإرهاب، الذي ما زال يمثل مشكلة متفاقمة للمجتمع الدولي.
وقد وافقت الدول الخمس، في البيان الذي صدر عقب الاجتماع على معالجة التباطؤ الاقتصادي العالمي، وإصلاح الهيكل المالي العالمي الذي تهيمن عليه الدول المتقدمة.
في هذا الصدد، اتفقت دول «بريكس»، أيضاً، على أن «بنك التنمية الجديد» الذي أسسته المجموعة عام 2014، يجب أن يستمر في التركيز على قطاعات البنية التحتية، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة.
والمنطق القائم وراء تجمع دول «بريكس»، هو ضرورة أن يكون للدول الصاعدة كلمة مسموعة في النظام المالي العالمي، الذي تسيطر عليه الدول الغربية. وهناك اعتقاد سائد بأن الدول الصاعدة ما زال أمامها شوط طويل يتعين عليها أن تقطعه، حتى يكون لها نفوذ كمجموعة متماسكة. وقد أظهرت القمة الأخيرة، التحديات التي تواجه الدول الخمس الأعضاء الواقعة في أركان المعمورة الأربعة، لأن كل دولة منها تسعى لإيجاد حيز خاص بها في النظام العالمي، في الوقت ذاته الذي تواجه فيه المشاكل الثنائية مع الدول الأخرى الأعضاء في المجموعة.
الدولتان الكبريان في مجموعة دول «بريكس» هما الهند والصين، اللتان تعتبران معاً أسرع اقتصادين في العالم من حيث النمو. والدولتان لا تواجهان مشكلة حدودية خطرة بينهما فقط، وإنما تختلف وجهة نظر كل منهما عن الأخرى بشأن عدد من القضايا.
الاقتصاد الصيني، يشهد منذ فترة اتجاهاً نزولياً، أما روسيا فإن نفوذها أيضاً آخذ في التضاؤل، بسبب هبوط أسعار النفط والسلع من ناحية، والعقوبات المفروضة عليها من الغرب، والتي ألحقت ضرراً بالغاً باقتصادها. أما الهند فتمثل نقطة مضيئة نوعاً ما في الاقتصاد العالمي، ولكنها هي أيضاً تواجه تحديات تتعلق بتجسير الفجوة الديموغرافية التي تعانيها، وتوفير الوظائف، ومساعدة الملايين من مواطنيها على الخروج من دائرة الفقر.
يتجاوز تعداد سكان دول «بريكس» الخمس 3.6 مليار نسمة، وهو ما يمثل نصف عدد سكان العالم تقريباً، ويبلغ ناتجها القومي الإجمالي المجمع 16.6 تريليون دولار. ووفقاً للتقديرات، يتوقع للدول النامية أن تساهم بما نسبته 75 في المئة من النمو العالمي، على مدى العامين المقبلين.
ويتوقع صندوق النقد الدولي، أن يصل متوسط النمو في الدول الصاعدة هذا العام 5 في المئة، في الوقت الذي تتطلع فيه الدول المتقدمة إلى تحقيق نسبة نمو مقدارها 1 في المئة فقط.
بالنسبة إلى الهند، وهي أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، كما سبقت الإشارة، لا يقل التعهد بمكافحة الإرهاب، أهمية عند الشراكة الاقتصادية بينها وبين باقي الدول الصاعدة. وقد جاء في البيان الذي صدر عقب انتهاء أعمال القمة ما يلي «إن المجموعة وافقت بالإجماع على أن هؤلاء الذين يرتكبون أعمالاً إرهابية خطرون، ولكن خطورتهم لا تقل عن خطورة الجهات التي تدعهم. كما كانت هناك حاجة إلى تنسيق دقيق بين الدول الأعضاء لتعقب مصادر تمويل الإرهاب، واستهداف أسلحته ومعداته، والمصادر التي تزوده بالأسلحة»، والبيان يحتوي بصمة هندية قوية، لأن الهند كانت تسعى لإدراج موضوع الإرهاب المنطلق من باكستان على الأجندة العالمية، كما قامت في الآونة الأخيرة بتكثيف جهودها الرامية إلى عزل باكستان دبلوماسياً، وذلك منذ الهجوم الذي تعرضت له قاعدة عسكرية هندية في كشمير.
ولكن البيان لم يرقَ إلى ذكر باكستان بالاسم بسبب وجود الصين في المجموعة. ومن المعروف أن الصين صديق دائم لباكستان، وتقف إلى جانبها في الأوقات كافة، وأن تؤيد مواقف إسلام آباد القائلة إن الأشخاص المتورطين في القيام بهجمات مسلحة داخل المنطقة، التي تسيطر عليها الهند من إقليم كشمير المتنازع عليه، هم في واقع الأمر انفصاليون كشميريون يحاربون منذ زمن طويل، من أجل حريتهم.
كما دفعت الهند أيضاً في اتجاه تحقيق موقف موحد بشأن إزالة الجمود القائم في الأمم المتحدة والذي يحول دون إتمام «الاتفاقية الشاملة بشأن الإرهاب الدولي»، وذلك حتى يتسنى التعامل بفعالية مع ذلك الإرهاب.وفي حين أن الدول الخمس، ما زال أمامها طريق طويل حتى تتمكن من تحقيق أهدافها، فإنه ليس هناك شك في أن المجموعة أجرت بعض المناقشات المهمة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي التحديات المتعلقة ببطء وتيرة نموه.

