Pdf copy 1

د. سعد العبيدي 
يبدو من وقع الأحداث ومجرياتها في العالم الفسيح، وفي هذه الفترة الزمنية من الألفية الثانية أن العرب وساستهم لم يدركوا بعد أنهم جزء من العالم الذي بات صغيراً يؤثر فيهم ويتأثرون به، ولم يفهموا أبعاد التطور الحاصل في هذا العالم، ولا الأفكار التي تخرج من عقول سكانه والرغبات التي يسعون لتحقيقها ولم يحسنوا استخدام التكنولوجيا في العيش وفي تغيير السلوك، وبدلا من هذا الذي يفترض أن يحصل حتماً والتكيف لما هو حاصل بغية العيش برفاه وسلام، أدخل الكثير من العرب والمسلمين رؤوسهم في تراب صحاريهم مثل النعام وعزلوا أنفسهم عن عالم يتغير بالأيام بل بالساعات في بعض الأحيان، وبدلا من أن يخرجوها ليشاهدوا ويتفاعلوا سحبتهم عقد العجز عن التفاعل والمواكبة الى الارتداد الى الماضي السحيق، فظهر من بينهم من ينادي بالسلف وبالسير القديمة وظهر آخرون يطلبون العودة الى تطبيقات الدين الحنيف على كل أمور الدنيا.
وهكذا سحبوا بمناداتهم واتجاهاتهم شعوبنا العربية والاسلامية الى سلوك الانغلاق والتشبث بالماضي الذي لم يحسم الجدل في العديد من شؤونه، وبسببه اتجهت على سبيل المثال غالبية النساء الى ارتداء الحجاب وسلمن أمرهن الى الرجل الذي تتحكم به الغريزة دون أن يدركا معاً أن العالم الذي تعزل نفسك عنه لا يعزلك هو، فالصور والمعلومات والاحداث تدخل بيتك عن طريق التلفاز والانترنت الذي يتابع من الجميع، ومتابعته تصيب المنعزلين – خاصة المرأة المتزمتة – بنوع من الاختلال والتمرد على الذات غير القادرة على التعبير عن رغباتها وبالمحصلة خسر مجتمعنا المرأة نصف طاقته بعد أن جعلتها العزلة معطلة، بل وعثرة أمام التطور والتكيف بحسب متطلبات العيش الرغيد في هذا العصر. 
ان العزلة أو الانعزال أصاب الرجل هو أيضا عندما وجد نفسه في موقف صراع بين التزامات وقيم الماضي وبين حاجات وتطلعات الحاضر، وبدلاً من السير في الطريق باتجاه الأمام عزل نفسه مرتداً الى الماضي بالتشبث ببعض طقوس الدين وأفكار علماء لم يحسم الجدال بشأنها بعد، وبالتالي أكثر من الحرام وقلل من الحلال وتوقف كثيرا أمام طريقة الوضوء وشكل الوقوف في الصلاة واتجه الى الزام الآخرين بما يعتقد هو به وباستخدام القسر والقوة في بعض الأحيان، وتوجه الى الايغال بتأدية الطقوس للتكفير عن ذنوب خيل له أنه أو أسلافه قد ارتكبوها، وبالتالي شغل نفسه بوقع حياة مختلف عن الوقع الذي ينشغل به الآخرون في العالم، فزاد الجهل وكأحد نتائجه تُرك الفن الذي يشكل أساساً لتهدئة النفوس فزادت شدة العدوان وأهملت الرياضة المعنية بتقوية الابدان فشاع الوهن والكسل، وانتهت القراءة اللازمة لتنمية الفهم والادراك فعم الجهل والتجهيل، وبدلا من أن يبنوا المدارس والملاعب والنوادي والجامعات اكثروا من تشييد الجوامع وأكثروا من حلقات الذكر وأماكن الافتاء ودفعوا الشباب أفواجاً لأن يكونوا أسرى الماضي اعتقادا خاطئاً بان ذلك هو السبيل الوحيد لدخول الجنة.
في عالمنا العربي هناك أمثلة على ما مر ذكره آنفاً فالعراق وسوريا وليبيا، أمثلة واضحة وهناك في الطريق مصر الدولة العربية الأكبر التي كانت في الماضي القريب من يقود التحضر والعلاقة مع العالم المتمدن لكنها أصبحت في الوقت الحاضر وبسبب الاستهداف والسير في طريق العزلة على حافة الوقوع في الحفرة التي حفرت واسعة للعرب والمسلمين. واذا ما وقعت مصر فسيبدأ في المنطقة عصر جديد ليس للعرب والمسلمين فيه نصيب.

التعليقات معطلة