Pdf copy 1

      هندة العكرمي..
و لكن سأحاول أن اذكر منها ما هو في اعتقادي أهمها عند شاعرنا و أديبنا الأستاذ الفاضل حسين الغضبان. حتى أن الشعر عنده حاجة إلى الإفصاح عن كل ما ينتابه من العوامل النفسية بسبب محيطه من رجاء و يأس. من فوز و إخفاق من إيمان و شك و حب و كره من لذة و الم و حزن و فرح و من خوف و طمأنينة و كل ما يتراوح من أقصى هذه العوامل و أدناها من الانفعالات و التأثيرات. بل نجد كلماته نور نقتدي به في الحياة “للسلام وقت…لا يتجاوز رفعة يد” أنا عراقي… قد أكون الأغلى شرط أن اثبت عراقيتي” (التقليلية) حقيقة ما في أنفسنا و حقيقة ما في الواقع و العالم من حولنا بل هي دعوة إلى الجمال بما في النفس من عطش لا ينطفئ إلى الجمال و كل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال بما للجمال من معنى خالص للوفاء و السعادة و السلم و السلام و الطمأنينة و الحب و إن تضاربت اذوافنا في ما نحسبه جميلا و ما نحسبه قبيحا.أ و لا يمكننا التعامي عنه، أن في حياة الشاعر جمالا مطلقا خلاقا تراه بعينيه و لا يختلف فيه مع احد لأنه يلعب دور رسول الكشف عن الحقائق و مزيج الأغطية العتماء عن الضوء و هو صرخة الحرية التي لا يمكن إخمادها أحدا.
و قد تميز شاعرنا الفذ بعودته إلى النصوص الدينية و الأثرية و التاريخية لتوظيفها رموزا ضمنها أدبه و قد سما هذا التوظيف بآثاره الشعرية منها أو الأدبية النثرية فاكساها روحيا تناغم خارق مع رغبته في التسامي إلى عوالم المطلق و المثال لذلك نجد جل منتجاته تعج بالمناجاة كصيغة تعبيرية تكشف إحساسه بالضيق من العالم و دنيا الناس التي ملأتها المطامع و الأحقاد. و قد تكاثف هذا النوع من الكتابات في أدب الغضبان نثرا كان أو شعرا و قد اتسم في الكثير من الأحيان بفن الخاطرة ليكون مشحونا بطاقة شعرية لم تمنع جمال العبارة من تبليغ جليل المواقف الرافضة الثائرة التي عبر من خلالها الأستاذ حسين الغضبان عن توقه إلى عالم بديل عن الموجود المرفوض لذلك فهو ثورة- و الثورة ليست بنت ساعتها بل هي مجموع العوامل المتعددة التي تخزنها الأيام في صدر الحياة، حتى إذا ما جاش جاشها ضاق بها ذلك الصدر فتفجرت قذائف و عواصف و الغضبان ليس ابن يومه بل هو مجموع عواطف و ميول امة بأسرها قضت على نفسها أو قضت عليها الأقدار ، أن تعيش أجيالا تنطق بلسانهاـ أما قلبها فصامت منكمشا و أن تسير قانعة ضائعة في طريق مفروشة بالشوك- محجوبة عن الشمس و الضوء و نور الحقيقة أما روحها فتحلم بسبيل نير على على جانبيه ورود و رياحين. فأدب الغضبان سام سماوي حقا لما فيه من شوق إلى سماء المثل و ما فيه من شوق إلى السمو على التاريخ فكانت “بين ظهور الأقواس” قوس عمياء مشدودة بين طرفين: المرعب و الكيفي. تلك هي حياتنا. فقبولها كما هي نوع من الموت- لذلك، نرفض لكن رفضنا ليس هربا و لا نفيا، فإذا رفضنا أن نأخذ حياتنا بحضورنا المظلم و الزائف- لا يعني أننا نتخلى عنها بل يعنى أننا نتخطى هذا الحضور إلى حضور لائق غني. الغضبان يفصح أننا نعيش هذه الحياة و لكن في عزلة عنها . 
أن وطننا ليس لنا مع أننا وحدنا أصحابه الحقيقيون. الرفض بحد ذاته عنصر هدم- لكن ما من ثورة جذرية أو حضارة تأتي دون أن يتقدمها الرفض و يمهد لها- كالرعد الذي يسبق العاصفة الممطرة فالرفض الذي تجلى عند الغضبان وحده يتيح لنا- في هذا المأزق الحضاري الذي نعيشه أن نأمل بالطوفان الذي يغسل و يجرف- و بالشمس التي تشرق وراء خطواته و من يريد مستقبله حرا و إنسانيا لا بد له من أن يحضنه و يهيئ له بإنسانية و حرية في هذا الأفق تولد قصائد الغضبان تعانق الحداثة و تتجاوزها. ترفض الواقع لحظة تقبله و تحاوره و تعايشه، تصدر عن الأقاصي في نفس الشاعر و تحمل الناس معها في رحيلها و تطلعها.
إذاك تبطل أن تكون مجرد مزمار للشعور المفجوع، أو مجرد مرآة للحساسية.
تصبح تعبيرا عن ثقل التاريخ عن كثافته و عبئه في مناخ من الرفض و الحنين من الرعب و الإضاءة . ننتقل في الخاتمة الى اثارة نقطة اخيرة في الحديث عن منتجات اﻻستاذ:حسين الغضبان .اﻻ وهي دور اللغة في اشعاره بمختلف انماطها وتقنياتها مثل اﻻستعارة والتشبيه واﻻيحاء والتخييل الخ .وغير ذلك مما يدخل في عالم المعاني والجاز والبﻻغة .واﻻنزياح بما في ذلك من توليد للمعاني وتنويع على المعنى حتى يطال رؤية الشاعر المختلفة لعالمنا الواحد.بل هو تعبير غير العادي ليكون عاديا.من هنا يأتي اﻻختﻻف المرتبط بالنظر الى العالم. اي ان نعي ما ينهض في هذا الفضاء اللغوي الذي هو فضاء العﻻمات، فضاء الكون المنزاح.وعليه فإن معيار الحكم في الشعر الغضباني ﻻ يعود معيار الصدق والكذب وﻻ معيار توليد المعاني بل هو القدرة على قول رؤية مختلفة .فالشعر عند اﻻستاذ حسين الغضبان هو زاوية رؤية مختلفة للغة لكن تقال شعريا.

التعليقات معطلة