Pdf copy 1

     اشرف قاسم 
(إن عزائي الوحيد في معاناتي هو أن طرح هذه المعاناة سوف يسعد أناساً قد لاألتقي بهم إلاعلى الورق ، وقد لا أسمع عنهم مطلقاً ، فهم يتجسدون أمامى في لحظة المخاض ، وأحاول ألا يروا مني إلا ما يسرهم ويعبر عن مشاعرهم ، ويؤكد لهم أن الهم والفرح الإنساني واحد وإن اختلفت الوجوه، وتغايرت اللغات وتباينت الأحاسيس )0
هذا ما ينبغي أن يكون عليه الشعر والشاعر في نظر الشاعر الكبيريس الفيل ، ويس الفيل غني عن التعريف به فهو ليس ناشئاًمن ناشئة الشعراء بل هو قامة شعرية شامخة وصوت مصري أصيل ، بدأ في نشر قصائده في مرحلو مبكرة من حياته 
نشرت أولى قصائده تحت عنوان “ ذكريات من القرية “ في عام 1961 بمجلة “الشهر “ التي كان يرأس تحريرها المرحوم سعد الدين وهبة وهو عضو بأكثر من رابطة وجمعية أدبية ، حصل على جائزة البابطين في الشعر عام 1991 
صدرت له حتى الآن عدة مجموعات شعرية هى “ الميلاد وحكايات الخريف “ “ توقيعات حادة على الناي القديم “ “  أغنية بلا وطن “ “ أحزان الكمان “ “ همسات الصدى “ “ الزحف على حد المستحيل “ “ حصاد الإيمان “ إلى جانب مجموعة قصصية وديوان مشترك 
همسات الصدى
   في خضم الحديث عن الحداثة وما بعدها ، والتطوير في شكل القصيدة العربية يفاجئنا يس الفيل بديوانه العمودي محافظاً على شكل القصيدة العربية فيما يمكن أن نطلق عليه “ تأصيل الحديث “ إذن فنحن “ بصدد ديوان شعري يدلل به الشاعر على أن الشعر العمودي الأصيل قادر على التعبير الفني السامق عن شتى التجارب الشعورية ، ومختلف الانفعالات ما دمنا بصدد مبدع صادق الموهبة”
إن جميع قصائد الديوان يجمع بينها خيط واحد هو ذلك الحس الرومانتيكي الذي لاينشد الشاعر من خلفه سوى الوصول إلى الحقيقة موظفاً كل أدواته الرومانتيكية لهذا الغرض ،من سلاسة لغته ،وخياله ، وعاطفته ، وأفكاره فالحب لديه قيمة عليا تندرج تحتها كل القيم النبيلة في عقد منتظم ويقول في اولى قصائده الديوان “ نجوى 
براءة الحب فيكم يابني زمني
تحيى هوى لم يزل يحنوعلى بدني
فإن تألق شعري في محافلكم
وامـتـد منكم لريح طاردت ســفني
وانساب في الروض لحن عشت أطمعه سهدالليالى إلى أن صارمن محني 
عادالصفاءلمن شاخت مشاعره  دفقا من الشوق يمحوررعشة الوهن
وبناء على أساس اعتبار الحب طريقا للخلاص تأتي أغلب قصائدالديوان توقيعات على أوتاره فهو ملتزم بالدفاع عن القيم العليا التي ترتكز على هذا الحب من حرية وعدالة :
لاأملك الان غير الحب أحمله
في القلب حتى ولو بالحب انتحر
الجدب يورق لوأن القلوب صفت للحب وامـتشـقت ماليس يمتــــشق
والسيل لويتوالى فوق رابية
من الصخور فإن الصخر ينفلـق
إن ارتباط يس الفيل بالقرية ارتباط وثيق بالطبيعة وهى الأم الرؤوم لكل شعراء الرومانتيكية الذين تتوحـد لديــهم النظرة للأنثى والطبيعة :  
لماذا وليلك يرخى ســــدوله
مـغـانيك تجذب طير الخمـــيلة
إذا نام دارت حواليه حلمـــا
وألقت به للرياض الظــلـيــلة
وإن قام طار اشتياقا إليـــها
وخلف أرض الهـمـوم الثقـيلة
لماذا يها جر طير بــرىء
لأرض على مثلة مستحــــيلة
برغم اليقين يطول السؤال
لماذا؟ وماكنت يوما بخــــــيلة
أن تبين العلاقة بين عنصر المكان والشاعر يمكننا من فهم أوسع وأدق لهذه الشريحة الزمنية الطازجة في فترة التغيرات الإجتماعية والحضارية التي تحدث حولنا في هذه الحقبة المهمة من تاريخنا العربي 
فيوم سقوط الشيوعية نراه يقول :
الشرك بات بأرضــه ينـهــــار
فلم العويل ومن عليــه يغــار 
بين الرفـــاق تناثرت أشـــلاؤه
وعدت عليه وأحرقته النــار 
عبدته فوق الأرض بعض شراذم
لم تدر أن المنتـهى أصفـــار
وفي مكان أخر من الديوان يستنهض الهمم ويدعو إلى توحيد الصف العربي بلهجة عاتبة فيذكر أولابسالف الأمجاد  
هنا ابتدأت بأخناتون دنيا
بها التوحيد في النيل استجابا
هناك محمد صلوات ربي
عليه ولم نزل فـــصل الخطابا
دعائمه التي نهضت أقمتم
على شــرفــــاتهن دمي كـــذابا
وأسراب الجراب تخطفتكم
فما ملك الشـتــات لهـا عــقـابا
ثم يزيد من عنف لهجته العتابية فيما يشبه وخز الإبر:
صغاركم استحوا منكم وحادوا
عن الهـــدف الذي بكم اسـتـــرابا
وما اقـتـنـعوا بكم نغما مــعادا
كسى أفق انتــفاضــتهم ضــبابا
فشقوا بالحــجــارة ألـف درب
ليندفـعوا بهــا أســدا غـــضابا
أن تلك النزعة الإنسانية التي ملخصها أن يتبنى الشاعر قضايا مجتمعه ويدافع عنها على اعتبار أنه لسان حال هذا المجتمع ، تلك النزعة تصيب الشاعر بالقلق والإحساس الدائم بجسارة المسئولية الملقاه على عاتقه ،ولذا كي يستطيع الشاعر أن يؤدى واجبه ذاك على النحو المرجو يجب عليه أن يتسلح بقوة العقيدة وهذاما فعله يسن الفيل ، اسمعه وهو يقول :
طريق الخلاص طريق يطول
ويمـتد بالحـب فيه الحوار 
فللا تقنطى إن عون الإلـه
إذا حل يجـتاح لفح الغبار
وحسبك أن تنجحي في اللقاء
إذا ما انطلقت إلى الاخـتيار
على قدرإيمانك العبـبقري
يكون التألق في الاختـبار
وبالحب والصدق والالتجاء
لرب السـماء يقـر القرار
طريق الخلاص طريق الاله
فـمدي بـه الخطو للانتـصار 
وعلى أساس من هذا الإيمان الراسخ ألاطريق سوى الله ينطلق مبشرا بغد أفضل في ظل الحب الذى هو حلم ملايين البشر ، الحلم الذى يملأ كيانه ، ولأجله يخضر الشجر ، وينفلق الحجر بالماء ، فيروي العطاش :
يارحلةالحرف كونى أنت راحلتي
إني تجرعت من كأس الهوى صابا
ما رحت يوماً إلى دنـياه ظامئة
إلا سقـتـك يداه الشهد أكوابا 
هذا ويحتوى الديوان على بعض قطرات الفلسفة الإسلامية عبر قصائده “ حوار مع الأوهام ، المشاعل ورحلة الخلود ، البلبل والصياد “ والتي كتب الشاعر في صدر صفحتها عبارة “ للصغار 00و للكبار أيضا” وهى حوار بسيط ولكنه عميق بين بلبل وصياد أداره الشاعر بلغة الطفل حتى يكون سهل التناول قريب المأخذ من أذهان أطفالنا الذين هم في أشد الحاجة إلى هذا الأدب القيمى الذي يترك في نفوسهم آثارا حميدة ويكون مدعاة للرقي بأذواقهم وأخلاقهم معا في هذه القصيدة يريد الشاعر /الجد أن يعلم أحفاده قيمة الحرية في أبيات قصيرة سهلة ، ومن خلال قصة رائعة شائقة تنم على قدرة فائقة في اجتذاب أذن الطفل الذي هو أشد ولعا بالحكايات عن سواها من فنون القول ، تقول القصة – القصيدة :
من غـــيــر ما سـبب
مـسـتـسـلمـا ناما 
ناديت من عـجـبى
“ انهض “ فـمـا قامـا
ياأيها البلبل
ماذا دهاك الآن 
لم أنت لم تأكل
أو تنثر الألحان 
الزاد يكفيك
في بيتك الذهبى 
والماء يرويك
من غير ما تعب 
لم يلق لي بالا
مهما علا صوتى 
في لحظة مالا
وارتد للصمت 
البلبل الشاكي
لما فتحت الباب 
من قلب شباكي
ولى، وعنى غاب 
لم أدر ما خبره
لكنه قد عاد 
غنى على الشجرة
يا أيها الصياد 
أنا لست مجنونا
يلهو بألحانه
أرايت مسجونا
غنى لسجانه؟ !
ليت هذه القصيدة تكون ضمن مقررات أطفالنا في المدارس لتعلمهم قـيمة الحرية ومعــنى الإنتماء إلى الوطن ، وروعة أطفال الحجارة
في النهاية أقول : أن يس الفيل قامة شعرية كبيرة ما زالت بحاجة إلى المزيد والمزيد من الدراسة ، فهل تكون دراستي المتواضعة هذه بابا للولوج إلى عالم يسن الفيل الذي نوقـــــشت عـنه دراسة لنيل درجـة الماجســتير أخـيرا بكـلية اللغة العربية جامعــــة الأزهـر ؟ ليت 

التعليقات معطلة