د. أمل محمد الأسدي
نور السر يتجلى في بستان مسكه بدءاً من عتبة التلقي الأولى( بستان المسك) وانطلاقة الإيحاء التي تأخذ المتلقي وتمكنه من الولوج في عالم البيومي الفني المغاير للمألوف ، إذ يقوم على جدلية موازنة بين النص الشعري الصوفي القديم والنص الشعري الصوفي المعاصر، فقد جعل شاعرنا من عنوانه رمزاً يشد المتلقي ويجعل روحه تسمو الى حيث دلالات هذا العنوان ، فـ ( البستان ) وخضرته وخيراته والـ ( المسك) وعبقه الفواح .. دلالات ترفع القارئ من بيئته الواقعية وتصعد به الى الجنان السامية ، فالمطلِّع على العنوان ومن قبل اطلاعه على النصوص يدرك أنه في عالم فني خاص رسمه الشاعر بريشة كلماته المنقاة بقصدية، وبألوان حروفه الفذة الذكية.
أما الإهداء فقد برع الشاعر فيه أيضا ونجح في تقديم عتبة نصية مثيرة عن طريق إضافة كلمة ( رعشة) الى الإهداء ( رعشة الإهداء ) فهذه الكلمة تجعل المتلقي في نفسية خاصة وذهنية مائزة متأرجحة ما بين مقامين، مقام الهيبة ومقام المحبة، ثم ينتقل الشاعر الى تفاصيل الإهداء ويعلن أنه ما ارتجف وارتعش إلاّ في حضرة المحبوب المصطفى محمد( صلى الله عليه وآله ) ومدحه والسعي الى نيل شفاعته عند الله.
وهكذا نجد الشاعر يعتني في اختيار عتباته النصية فيختارها لتكون رموزاً محملة بالدلالات وهذا ما نجده في قصائد الديوان ايضا كـ( ماء البهاء ، حيرة القلوب، جنة الورد، ثلاث ورقات من شجرة القمر، قوت القلوب) وغيرها من العنوانات الفنية.
أما موضوع الديوان فهو مقسم على قسمين : الأول هو مدح الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله) ومدح أهل بيته الطيبين الطاهرين ، وربما يكون هذا نابع من إيمان الشاعر بنظرية الحقيقة المحمدية التي هي أساس الوجود ، وهي تجليات الذات الإلهية ، فنور الرسول الأعظم هو النور الأزلي الذي خُلق مع خلق آدم (عليه السلام) أو قبل خلقه ، وهذا النور أو هذه الأنوار( نور محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين) تجلت في آدم عليه السلام لذا سجد الملائكة له إلا إبليس، وليس هدفنا الآن بيان النظرية او التحدث عنها في الفكر الصوفي على مر العصور وإنما أوردناها لبيان موضوع الديوان الأساسي.
أما القسم الثاني من الديوان هو في ( العشق الإلهي) وهو المحبة الخالصة لله سبحانه وتعالى ، وفِي هذا الغرض يرتفع الرمز المعبر عن طريق الغزل ووصف الحبيبة والتغني بجمالها، وذكر الخمرة والسكر والانتشاء .
وكما أدهشنا الشاعر في اختيار العنوان أدهشنا ايضا في تصوير هذا العنوان وتجسيده إبان لغته الشاعرية ومفرداته اللاتقليدية المكتنزة الدلالة ، فنجد في بستان مسكه( الألوان والأحجار الكريمة ، والفواكه، والخضرة والنخيل .. الخ) إذ إن معجمه يضج حيوية ويشع ضياءً ويتشظى دلالات مثل( الفل ، الياقوت، الكهرمان، العقيق، الذهب، الزعفران، البرتقال، البرقوق ، الورد ، الياسمين ، الجلنار، الزنبق …الخ)
فالبيومي يهتم كثيراً في إضفاء الحركية الموسيقية والصفة النغمية على نصوصه فقد زاوج بين البناء العمودي والتفعيلي في ديوانه ، فضلا عن اهتمامه البالغ بالجناس والانسجام الصوتي مثل:
فلا ذكرى لما كانا
كأن الكان ما كانا
ملأنا الكون مرحمةً
فعيشوا في هدايانا
وكذلك في ص٨٥
لاشيء إلا آهةٌ ومتاهةٌ
تتفجران بعتمة الأعماقِ
إن شاعرنا يهتم بالإيقاع الداخلي إذ يخلق بوساطة التوازي والتدويم والتكرار أجواء نفسية وجملاً مموسقة نغمية لها أثرها في المتلقي كما في قصيدة “ المحمدية ص ٧٣- ٧٦
وكما في ص٩٦
أحبك ألف حبٍّ ، ألف حبٍّ ظاهر خافي
وما يخفى عليكَ حنين دُرّاتي وأصدافي
إن أسلوب البيومي الشعري أسلوب جزل متقن ينبع من قدرته الشعرية وطول نفسه الشعري ، وينبع من إخلاصه لشعره ووفائه لتجربته فيعطي النصوص من روحه وقلبه وعقله لتكون لوحات فنية مبهرة ، فنلاحظ بعض نصوص الديوان تزيد عن المئة بيت وعلى الرغم من ذلك تبقى محافظة على فنيتها ، وتبقى موازنة بين مكنوناتها التأريخية وبنائها الفني وخير مثال على ذلك قصيدة “ الزهراء “ ، ولكن لا نعدم في الديوان وجود نصوص تقليدية شاحبة لا جدة فيها ولاتجديد في بنيتها الفنية ومستوياتها الشعرية.
البيومي مبدع في تشبيهاته واستعاراته فهي عالم من الإنزياح الماتع ، الغريب، المؤثر والديوان مليء بها ومن ذلك ص ٣٣ -٣٤
الآن يضحك في أستاره جبلٌ
له عرائش نار الله ترتقب
دامي الوداد ! أنين الرمل يؤلمه
فيخبر الحزن في في الآفاق ينتحبُ
وكذلك في ص ٥٩
عيون الوقت معتمةٌ
وذاويةٌ وبتراءُ
وعينك يا منى عيني
معاريج وإسراءُ
ومن ذلك ايضا في ص١٠٦
ويحيلُ صخر الأرض موسيقى، على
إيقاعها تلد الصحارى الأنهرا
يهتم شاعرنا بالتراكيب الضدية ليخلق منها سياقاً مشحوناً بالدلالات التي تستفز المتلقي وتفتح له آفاق التأويل ونوافذ التأمل كما في ص ١١
ظمآنُ بل ريَّانُ
بل أطفو على جسد العبير كواكباً فوضى ندية
جوعانُ بل شبعانُ
بل جسدي بلا جسدٍ
ولي شهقات شمس زنبقية
كما و يتصف الشاعر بالقدرة الفنية في توظيف النص القرآني والحديث النبوي والسيرة النبوية وإظهارها في صور تناصية مؤثرة كما في ص٧١
السهلةُ السمحاءُ شِرعة من رقى
لاعسر والفضلُ العظيمُ محمدُ
طلقاؤه في الفتح آية عطفه
الرحمةُ المهداة أنت محمدُ
إن في بستان المسك تزهر ( أيقونة الجمال) وبصمة الفن الشعري المتمرد على التقليدية وذلك في قصيدة “ قوت القلوب” فهي قوت الإبداع ومنبع الشعرية التي تدهش المتلقي بفيضها، وتنقله من دون ملل من هبَّة جمالٍ الى هَبّة تجلٍ الى هبة سمو ٍ، وهكذا يظل المتلقي يبحر في مقامات العاشقين ويصافح بكفيه قلوب العارفين .
إن ( قوت القلوب) قصيدة تجذب القارئ وتثيره وتفتح أفق تلقيه عن طريق حقلها الدلالي الزاخر ، الباذخ الجمال، فهي قصيدة تنماز بخصائص أسلوبية متعددة على صعيد المستوى الصوتي الذي يظهر في الانسجام الصوتي والتكرار والجناس والتقابل الصوتي، وعلى صعيد المستوى التركيبي وما يتضمنه من سياقات لغوية وتحولات بنائية، وعلى المستوى الدلالي الذي يظهر في الصورة الفنية القائمة على التشبيه والاستعارة والتقابل المعنوي ومن ذلك:
أبهجتني
فبكيت لك، وضحكت لي
وتولع الموج القديم، فجرني للمشترك
من جرحنا النديان
كالليمون كالإجهاش ، كالإيقاع مخطوف الروي
أبهجتني
فلك المدى
مدداً من الزيتون والضوء العفي
إن الشاعر لم يفته في هذا النص وغيره الاهتمام بالتشكيل البصري من استعمال الفواصل واستثمار هندسة البياض كي يسمح للمتلقي أن يحلق في سماء ساحة التأويل ويتلذذ في جمال التعبير ومن ذلك:
ولك السماءُ أساور القلب الوفي
ولك الحدائق
والنهار الأرجواني الرنين
لك انبثاق الشمس من حبر القصيدة
يا فضا،
يا طل،
يا تمراً على تمر،
فقصيدة قوت القلوب قصيدة انفردت وتفردت في العشق الإلهي وتصويره في هذه الفنية العالية .
كانت هذه قراءة في ديوان “بستان المسك” والحق أن كل نص من النصوص يحتاج الى دراسة نصية منفردة ، فلغة البيومي ساحرة ، آسرة، جذورها راسخة في أرض الشعر والشعرية ، وعمادها يعانق سماء المدد، سماء التجلي، حيث أمالي العاشقين المعلقة بتخوم الأدب.

