بغداد / المستقبل العراقي
انضمّ الاحتفال الدينيّ والتقليد الإجتماعيّ «عيد خضر الياس» في 3 كانون الأوّل من عام 2016 إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافيّ العالميّ غير الماديّ، ممّا دفع بمثقّفي العراق إلى أن يكونوا في طليعة المحتفلين بهذا الإنجاز الذي انتظروه طويلاً، منذ قدّمت وزارة الثقافة في شباط من عام 2015 ملفاً خاصّاً بأعياد وطقوس خضر الياس، إلى منظّمة اليونيسكو لتسجيله على قائمة التراث الثقافيّ، فنظّموا رحلة في 29 كانون الأوّل من عام 2016 على قارب أطلِق عليه اسم «الزورق الأدبيّ» انطلق من نهر دجلة إلى مقام خضر الياس الواقع في المنطقة بين الشواكة والكاظميّة في بغداد على ضفاف نهر دجلة.وقال أحد الذين شاركوا في هذه الفعاليّة الفنّان التشكيليّ والذي يعمل في وزارة الثقافة شبيب المدحتي «إنّ هذا الحدث يساهم في إحياء هذا التقليد الآخذ في الانحسار، وسيدفع الجهات المعنيّة، لا سيّما وزارة الثقافة، إلى تأسيس عمل منهجيّ لإدامته وإقامة فعاليّات ثقافيّة تسهم في التعريف به وإعادة إحيائه باعتباره تقليداً عريقاً يمارسه جميع العراقيّين من مسلمين شيعة وسنّة، إضافة إلى الصابئة والمسيحيّين واليهود والإيزيديّين».
واعتبر شبيب المدحتي أنّ «أهميّة هذا العيد تكمن في أنّه تقليد يهمّ كلّ الأديان، ممّا يجعله تذكيراً للعراقيّين بأنّهم شعب واحد»، معترفاً بأنّه «لم يزر مقام خضر الياس من قبل، بل كان يجهل تفاصيل العيد، إلاّ بعد انضمامه إلى قائمة اليونيسكو للتراث، ممّا يعكس الإهمال في التعريف بالإرث الثقافيّ الوطنيّ حتّى بين العراقيّين أنفسهم». ولدى وصول الرحلة النهريّة، كما قال شبيب: «أوقدِت الشموع، وتُرِكت تتهادى على نهر دجلة، وفق التقليد المتّبع».
وهو ما أكّده أبو علي (60 سنة)، وهو متقاعد ويسكن بالقرب من المكان في منطقة الشواكة، وقال «اعتدتُ على خدمة المقام، لما لمسته من كرامات فيه». أضاف: «لقد شفى مرض ابني الذي أصيب بالكآبة الشديدة، وأدّت الدعوات إلى الله في هذا المقام لشفائه تماماً».
وإذ أكّد أبو علي أنّ «أكثر الزوّار من النساء»، وأنّ هناك عدداً قليلاً من الرجال الزوّار، قال التاجر فيصل الكاظمي «أزور المقام في فترات متناوبة طوال السنة، وأقدّم النذور، وهي عبارة عن مبالغ ماليّة يستفاد منها في مساعدة الفقراء وصيانة المقام».
وهذا الاعتقاد بقدسيّة خضر الياس وكراماته، تعود إلى كونه نبيّاً، فهو إيليا، ابن النبيّ نوح، وعاش في القرن التاسع قبل الميلاد، وجاء ذكره في الكتاب المقدّس، في العهدين القديم والجديد.
وما يثير، أنّ ظاهرة الإحتفال بعيد خضر الياس في مقامه ببغداد، لها تقاليد مماثلة في مدينة الحلّة ببابل – جنوبيّ بغداد، حيث بنى الناس مقاماً له في مركز مدينة الحلّة، وهو ما كشفته زيارة وفد من البيت الثقافيّ البابليّ في 22 كانون الأوّل من عام 2016 للمقام، والتي نُظّمت بمناسبة إدراج العيد على قائمة التراث الثقافيّ العالميّ.
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والناشط في مجال الإرث الثقافيّ العراقيّ وعضو اتّحاد الأدباء والكتّاب في العراق رياض الغريب، الذي يسكن في بابل إنّ «تحويل عيد خضر الياس إلى تقليد ثقافيّ سنويّ يساهم في تعزيز ثقة العراقيّين بوحدتهم، فهو يُمارس من قبلهم بالطريقة نفسها، حتّى في التفاصيل الدقيقة».
ودفع هذا الإنجاز الإيجابيّ في اعتبار عيد خضر الياس إرثاً ثقافيّاً عالميّاً بعضو لجنة الخدمات في مجلس بغداد عادل الساعدي إلى الكشف عن «إدراج مشروع تطوير مقام خضر الياس ضمن موازنة عام 2017 لمجلس بغداد».وقال إنّ «المشروع يتضمّن ترميم المقام وتوسيعه وإنشاء مرافق خدميّة وإكساء الشوارع المؤدّية الى المقام وزراعة الحدائق المحيطة به وتخصيص يوم احتفاليّ له يجتمع فيه العراقيّون على اختلاف اعتقاداتهم».وفيما اعتبر عضو لجنة الآثار والسياحة في مجلس بغداد مازن رزوقي أنّ «مقام خضر الياس يتجاوز في أهمّيته كونه معلماً ثقافيّاً أو دينيّاً، إلى كونه رمزاً لانصهار العراقيّين في ثقافة وطنيّة واحدة تتجاوز الاختلافات المذهبيّة والطائفيّة والقوميّة»، فإنّ المشهد المكانيّ في المقام يؤكّد أنّه يمثل رمزاً لوطن واحد، لأنّك حين تزوره فستتوقّع مشاركة الكرديّ والعربيّ والمسلم والمسيحيّ في الطقوس ذاتها التي يؤدّونها.

