أشرف قاسم
تتباين أشكال السرد الروائى وتختلف مستوياته من كاتب لآخر فلكل طريقته في إدارة خياله ،واستكناه الواقع المحبط الذي يحاصرنا مما يُثري ي نفس الكاتب الرغبة في التعبير في محاولات دؤوب لخلق واقع مغاير لهذا الواقع كنوع من التمرد والرفض لهذا التشوه المجتمعي الذي أمسى سائداًفي مجتمعاتنا .
في ظل هذا التخبط والإرتباك يكون لزاماً على المبدع أن يبحث عن معنى جديد لوجوده .. معنى ليس بعيداً عن الواقع قدر قربه من الإنسان .. للتعبير عن همومه ورؤاه ومشاركته حالات التشظي والتبعثر التي يعاني منها في ظل مناخ غير صحي لمجتمع أبرز عيوبه التشظي !
– ثمة تساؤلات كثيرة في نفس هذا الإنسان تحتاج إلى إجابات وثمة هواجس تتقاذفه ين شقى الرحى تحتاج إلى تحليل ،وثمة حالة من فقدان التوازن تحتاج إلى وعى جديد للخروج من أسر الهذيان ..وهنا يأتي دور الأدب للإجابة على تساؤلات الإنسان الحائر وتحليل هواجسه والتعامل معه بوعي جديد يخرجه من أسرهذيانه ويحرره من قيود ظنونه وشكوكه في محاولة للبحث عن يقين .
بعد أن قرأت رواية “أعواد ثقاب “للمبدعةالفلسطينية “بشرى أبو شرار “ وقفتُ حائراًكمن يقف على شاطىء بحرهائج لايدري من أين يلج؟بل .. هل يلج ؟
أم يتراجع خوفاًمن علو الأمواج وتلاطمها ..؟!
في الصفحة الأولى من الرواية كتبت :”عيون النار ساكنه في مطارحها .. صنبور المياه ينتظرني لأدير مقبضة فتخر مياهه،تمتلىء ركوة القهوة ،أحملها ،ألمسها ،أعرف مقادير قهوتي ،التي أشربها وحيدة ،علبة الثقاب ساكنه تلحظني .. حان وقت ملامستها بأطراف أناملي وسحب جارورها الصغير على أعود ثقاب لم تشتعل ..تناولت إحداها .. مررتُ به بضغطة ناعمة على جدار العلبة فاشتعل .. وتوهج..” ص 7
ويبدأ إيقاع الرواية المتناغم من هنا وعبر فضاءات تقترب من الثلاثين فضاءاًفي إيقاع سردي عبر لغة بسيطة تقترب كثيراًمن روح الشعر .
تظل فلسطين هى الهم الأول والأخير لبشرى أبوشرارّتحكي عبر أعواد ثقابها قصة الوطن السليب من خلال حكاية أسرة في غزة تقترب كثيراًمن السيرة الذاتية للكاتبة حيث أنها تبدأ الرواية بزيارة الراوية إلى الوطن “غزة “ وما تلاقيه من مصاعب وتعنت على الحدود والمعابر تاركة خلفها ولدها الصغبر ،وزوجاًلا تشعر معه بالأمان حتى أن الولد يتمنى رحيله لقسوته عليه وتقارن الرواية بين مشاعر ولدها تجاه أبيه ومشاعرها تجاه والدها الذي تحبه لحنانه وعطفه عليها وعلى أشقائها وشقيقاتها ولأنه علمها حب الوطن ،وأمها الحامل التي في انتظار وليدها الذي ستسميه “عمر “ تيمنا بعمر بن الخطاب الذي فتح بيت المقدس ،وظلم المرأةفي المجتمع الذكوزي رغم دورها الكبير ،ثم تستعرض الرواية ذكرياتها عن نكسه 1967م والشعور المرير بالهزيمة وهستيرياالخوف والصراخ التي أصابت شقيقها ،وشعور الوالد /الرمز /باليأس واللاجدوى مما أدى به إلى حرق مكتبته العملاقة ،وتستعرض الرواية صوراً لأيام الحصار في غزة وبطولتها في الخروج بعجينها في هذا اليوم لتخبزه في فرن “أبو زاهر “ وسعادتها وهى تعود بعد أن أنجزت مهمتها وفي طريق عودتها تطاردها مجنزرة ضخمة فتعدو أمامها دون مبالاة بأصواتها المفزعة خوفاًعلى خبزها الذى تنتظره الأسرة المحاصرة .. ثم تأتي قصة مغامرة بحث الخال “أبو ياسر “ ورفاقه عن ذ ويهم المفقودين ،وعن ولده ،”شريف “ الذي لم يعثرحتى علي جثته ولا يعرف إن كان حياً أم استشهد ؟وزيارات أمه المتكررة إلى الصليب الأحمر للسؤال عنه والأمل “الذي يولد على عتبات الصليب الأحمر ويوأد على عتبة دارنا “ ص(72)
ثم تروي ذكريات أهالي غزة عن جمال عبد الناصروعشقها لدوره البطولي بعد أ ن قال في خطابه “لن ننسى فلسطين أبدا “واحتفاظ الراوية بألبوم صور له من طفولته حتى آخرلحظات حياته .
– ثمة قصة بطولة أخرى تحتفي بها الرواية هى قصة بطولة الخال”كاظم” الحنون ذلك المناضل الذي ترك زوجته في شهور حملها وخرج مع المجاهدين حتى أن أمه ستخرج بعد ذلك للبحث عنه بجواز سفر مزور لأنها فقدت هويتها أثناء الهجرة فتدعي أن اسمهافاطمة بدلاً من” حورية” “وأستفيق اليوم على جدتي التي تشد الرحال وتفقد اسمهاكأشياء كثيرة فقدناها “ ص (134)
وخلال رحلة البحث عن “كاظم “تضع زوجته “فايزة” طفلتها “ابتسام” التي تكبر وتسأل أمها ببراءة :ما شكل أبي ؟
“تترقرق من دمع فايزة دمعتان معتمتان فيضيئهما القمر فتتلألأعلى وجنتيها متناثرة ..على نهديها على زنار لف خصرها النحيل تلم اللألىء بحنايا كفيها لتبلل شباكها فيتندى لها حديده فيلين ويحن إليها من دموع أضاءها قمر غزة الحزين “ ص (144)
وتموت الطفلة “ابتسام “ في ليلة صيف كان القمر فيها قريباً قريبا “ص (148)
وتصاب الأم بلوثة فتحملها زوجة أخيها “شريفة “ إلى مستشفي “هداسا “ مصابة بمرض خطير في المخ ترحل على أثره لتلحق بطفلتها التي لم تر أباهاولم يرها أبوها فتصير “في طيات الحكايات الموجعة “ ص (157)
الأنثى في نصوص بشرى أبو شرار موجودة وحاضرة بصورة مكثفة وفاعلة “الراوية ،الأم ، الشقيقات ،الجدة، العمة، زوجة الخال ، بنت الخال … “معبرة عن عالمها الرحب بكل ما يحفل به من انتصارات وانكسارات ، وقهر يتبدى ذلك من خلال نصوصها الإبداعية التي تستبطن خلالها نفسية الأخر ، وتعبرعن رؤاه وهو اجسه وأحلامه ولكنها في ذات الوقت تثير تساؤلات أكثر مما تهب إجابات إذ تحمل شخصيات الرواية الكثير والكثيرمن علامات الإستفهام ..
– كما ان بنية” تفكيك النص “ ونظام “ القطع “ الذي إعتمدته الكاتبة في روايتها كبناء سردي هو معادل موضوعي لحالات التشظي التي تعانيها شخصياتها خلال لحظاتها الراهنة في مناخ يسيطر عليه الخوف وعدم الأمان .
– تأتي لغة السرد في نصوص الرواية لغة حية تقترب كثيراً –كما اسلفنا – من روح الشعر ، لجذب انتباه القارىء وسط هذا الركام الهائل من المفزعات وزخم المآسي ابتداءاً من استشهاد الشقيق “ماجد “ إلى غياب “ شريف ، وكاظم ، وموت ابتسام الطفلة ، ثم فايزة أمها حزناً عليها “ مما يعطي القارئ المساحة الشاسعة لتأويل تلك النصوص كيفما يرى في ظل حالة الترهل الإجتماعي والتشظي الذي يعانيه مجتمعنا العربي ، وبتقنيات فنية مختلفة “ خطب عبد الناصر ، أغاني فيروز ،ذكريات قديمة ..” حتى تبدو الرواية وكأنها لحنُ إنساني يعزف على أوتار الدموع والقهر والعذاب والتشظي ، ويتغنى بحب الوطن والوطن هنا ليس فلسطين فحسب بل الوطن هو الإنسان اينما كان.. لذا تراه مقدساً لدى بشرى أبو شرار وتلك قمة النبل وغاية الحياة !
– ومن هنا تأتى نصوص بشرى أبو شرار مفتوحة على الآخر على اعتبار ًان الكتابة هى معادل ٌ موضوعي للحرية التي تبحث عنها في “ ليل غزة الحزين “ وعبر سطور روايتها التي تقترب ملامحها كثيراً من “الفضفضة “ وكأنها بحاجة إلى البوح والتعلق بذراع الأخر /البعيد /ولذا يأتي صوتها عالياً هادراًفي القسم الأكبر من الرواية حتى يسمعه الأخر فيشاركها عذاباتها الأليمة !
– ماذا سنفعل إذا وضعت سعاد طفلها في الحصار ؟
ص (171)
– أتركني لأموت هنا فوق بيتي ..أموت على أنقاضه
ص (192)
– أخاف ان تنفلت مني خيوط الزمان الواهية وأموت … أموت بعيدة ص (238)
– وتؤثر بشرى أبو شرار أن تترك نصها مفتوحاً في النهاية.. إذ أنها لم تقل كل ما لديها .. مازال مخزون الذكريات مليئاً وماتلك الرواية سوى أرشفةٍ لتاريخ خاص ومأساة ذاتية انطلقت منها إلى كتابة نص رائع عن وطن أروع له ما له في قلوبنا من القدسية والمهابة !
وفي الختام لايسعني إلا أن أحيى المبدعة بشرى أبو شرارمؤملاً أن تكون دراستي هذه باباًً صغيراً للولوج إلى عالمها الـواسع من قـبل نقادنا الكبار..!

