Pdf copy 1

        أشرف محمد قاسم
الشعر إحساس بالألفة ، و تجسيد لأِهميتك في الحياة ، وهو محاولة لخلق حالة من التوازن في هذا الكون ، للتغلب على انهزام صوت الشاعر في زمن الضجيج .
والشعر هو السؤال العصيُّ على الإجابة ، وهو البحيرة المقدسة التي تُروَى منها الروح فتتطهر .
وأمام ألغاز الحياة يقف الشاعر متسائلاً حائراً عن ماهية هذه الحياة ، وما الجدوى من صراعاتها ؟ وهل يستطيع الشاعرُ بشعره أن يخرج من هذه الدوَّامة التي قد تودي به إلى حالة من انعدام الوزن و الموات ؟
بئر من الأسئلة يدلي فيها عاطف عبد المجيد بدلوه فتخرج ممتلئةً بالدهشةِ و الإدهاش .
يُقَسِّمُ عاطف عبد المجيد ديوانه إلى خمسة أقسام ( حديقة أولى ، ثاني حدائقي ، للقصيدة حالات شتى ،قصائد لا أعتذر عنها ، جمرات أخيرة “نصوص”) .
في هذا الديوان يحرص عاطف عبد المجيد على تفجير اللغة ، و تأطير الجملة الشعرية بأُطُرٍ إنسانية تتماس مع اليومي و الراهن ، دون أن تفقد هذه اللغة طزاجتها و قدرتها على الإدهاش ، لأنها لغة منتَقاة كما عبَّرَ هو :
سأصعدُ أنتقي لغتي / لغةٌ تُقابَلُ في الشوارعِ بل لغاتٌ تستبيح العابرين / ترُشُّهُم داءً / فقِفْ / لا تقتربْ منها / تجاوزْ كهفَها ركضاً / و حاذرْ أنْ تنام / على سريرِ المفردات ص 9
من خلال هذه اللغة يطرح علينا عاطف عبد المجيد أسئلة الوجود المتشابكة محاولاً أن يجد لهذه الأسئلة إجاباتٍ تَهَبُ الإنسانَ بعضَ السكينة .
أهزائمي تجدي ؟ / فما جدوى انتظاري / قانطاً / للأُمنيات ؟ ص12
يرسم الشاعر خلال نصوصه صورةً حيَّةً لِإنسان العصر المأزوم ، الباحث عن الأمان و اليقين ، هذا الإنسان الذي يتشظى أمام قسوةِ الحياة ، وجبروت المادة ، في ظل تمسكه بقِيَمِه و مبادئه التي نشأَ عليها :
ها أنت تكتشف الحقيقةَ / بعدما غادرتَ قريتك القَصِيَّةَ / وانتهيتَ إلى المدينةِ / راغباً فيها / تُرى هل كنتَ توقنُ / أنَّ رحلتَكَ اليتيمةَ / لن تحققَ ما تريدْ ؟ / هي ذي متاهات ستدخلها / و تخرجُ إنْ خرجتَ / وأنت تحمل من خسارتَكَ العديدْ ص 31
يغمس عاطف عبد المجيد ريشته في مِدادِ همِّهِ ، ليرسم لنا عالماً يعُجُّ بالصراعاتِ المقيتةِ ، عبْرَ خطاب شِعريٍّ جماليٍّ في لوحاتٍ متتالية ملؤها الدهشة و الحزن ، هذا العالم الذي يكتوي الإنسانُ بنيرانِ حروبه و صراعاته :
عُذراً يا مولانا / إذْ قرَّرنا نحن المغلوبين على . . . / أنْ نتجهَ إلى غيركَ / هذي الأيامْ / فعيونُكَ ما عُدْنا نشغَلُها / و اهتمَّتْ أحوالُ جنودِكَ / بِسِوانا ص 23
ثمة ملمح آخر يتبدى بجلاءٍ في نصوص عاطف عب المجيد وهو التصوير الفني للمشهدِ ، وكأنه مصور سينمائي يلتقط المشاهدَ المؤثرة ، ويحولها إلى نصٍّ مُبهر ، تقرؤه و تشاهده في آنٍ بجميعِ حواسك :
تجلسُ كلَّ مساءٍ / في شرفتها / تتناول كوباً مِن شاي الوحدةِ /وعصيراً آخَرَ ممتزجاً بمذاقِ الآهْ / حين تراني مرتدياً جلباب الصمتِ / عباءةَ خجلي / تستمهلني / تستفسر عن معنى حرفين احتلاَّ وجهي / أنهَضُ كي أُطلقَ كلَّ حروفي من قمقمها / لكنْ تأبى الكلماتُ فراقي / لا أجد ملاذاً إلاّ أن ألِجَ العينين / و ثمة أقرأُ ما معناهْ / “ من أجلِكَ روحي / لكني لا أهوى / مَن لا يستخدمُ فاهْ !!! ص 27 ، 28
هذه المشاهد التي يلتقطها الشاعر من الحياة تكتسب بُعْداً روحانياً حين يرسمها على الورق قصيدةً مِن خلال تلك اللغة الشفيفة التي تخلق من هذه المشاهد أُفْقأً جديداً و مدىً واسعاً يستكشفه المتلقي و هو يتنقل عبْر فضاء النص ، هذه اللغة التي تقترب أحياناً من لغة المتصوفة :
الوردة مخطئة جداً / إذْ تكتمل على عجَلٍ / حتى نقطفَها ص 57
اخلعْ نعليكَ / فعَلَّكَ تدخلني / بهْوي قُدَّامَكَ / دهليزُ مفازاتي / فادخُلْ بجيوشِكَ صومعتي / أخرجْني منها / واغسلني بالقبَسِ / الجرأةَ / علمني / كيف أحدثُ سنبلةً / أتحاورُ و الأشياء ص 33
وكما أن الشِعر عند عاطف عبد المجيد هو فِعْلُ الحياة ، بما يكتنف هذه الحياة من غموض ، و إشكاليات ، فإن الشعر لديه أيضا هو فِعْلُ الرفض ، الرفض لكل قبيح و محاولة للتمردِ على هذا القبح في جميعِ أشكاله ،و هو “الشِعر” دعوة للتسامي و التعايش في سلام بعيداً عن التشوهات و العُقَدِ النفسية :
أحلم أنْ تخرج أشعاري / من هذا القرطاسْ / أنْ تصبح دوماً كالنبراسْ / فتضيء شمالاً وجنوباً / في دنيا الناسْ ص73
ومن هنا نرى أن نصوص عاطف عبد المجيد تعكس مشاعر الإنسان المُتَأرجحة بين الحياة و الموت و الحب و التساؤل عن جدواه ، واستطاع الشاعر أنْ يوفق ببراعة بين الرؤية و الأداة كاشفاً من خلال لغته عن هموم الإنسان و تطلعاته في لوحاتٍ تأمُّلية يغلُبُ عليها القِصَرُ والتكثيفُ اللغويُّ داعياً المُتَلَقِّي إلى التساؤلِ و التأمل :
قد يلغي جراحُ / في لحظةِ تجميلٍ / كُلَّ تجاعيدي / لكنْ / هل يقدرُ مشرطُهُ / أنْ يستأصلَ ما بالداخلْ ؟

التعليقات معطلة