Pdf copy 1

بقلم الدكتور ناظم حمد السويداوي 
         ناقد وباحث – السليمانية 
حين وقع بين يدي ديوان الشاعرة العراقية سهى الطائي ـــ هدية منها ــ تذكّرت الفرزدق وقولته المشهورة في امرأة قالت شعرا : اذا صاحت المرأة صياح الديك فاذبحوها .. عندئذ ، كان لزاما عليَّ ان اقول شيئا بهذا الكون الذي يضرب بجذره البعيد في اعماق الذات الانسانية ، وهي تتنوع في مربع الشعر والكلمة ، فقصيدة ( سهى ) هي تكوين متحول للأنا اتجاه الاخر ، وهي ذاتها التي تمنح الشكل بعدا خياليا واسعا ، وهي القادرة على التوليد والتشكيل والتأويل ، وهذا الخزين المعرفي ماكان ليكون لولا الاخر ، الذي يتدافع بكل القصائد بحكايات متعددة ، ورموز مكتنزة في الذات . فهي من يحترف الحلم احيانا ، لتصل الى الحقيقة ، وهي من تنادي على احتمالاتها المستحيلة او البعيدة ، لتنال الاكتمال ، اذ تغدو اللغة القلبية ارأف بالنص من صاحب النص .
ويتبدى لي وانا اقرأ اول نصوص سهى الطائي ، انها تستحضر الاخر ولا تريده حلما زائفا ، لانها على مايبدو ملّت الاحلام ، ومثل هذه الصورة صادرة عن ذهن يتقن المهارة في استدعاء الاخر ، ويقدم له مغريات الحضور . 
وهذه قدرة على التجسيد والتأثير ، اذ تتفاعل الذات مع القارئ وتشركه في تصوراتها الآنية . فمن شدة تراكم الاحلام في عالم الذات الشاعرة ، راحت تفتش عن يقين يشدّها الى الحبيب ، ولو ببعد تخييلي يرغم الذات على العناق :
لاأريدك حلما
تعال وعانقني
إقسو عليَّ بالعناق
وشد بعهودك حبل الوثاق
وسأكون انا انفاسك
سأكون انا نبضك
انا قلبك
انا روحك
انا فلكك … ومدارك
انا وطنك
هنا ندرك الم الفقد الذي تعانيه الذات ، وما لفظ ( تعال ) الا استدعاء ممنهج بتدليل رمزي ، يستقيم مشهده الطاغي على احتمالات واشارات وعلامات لاحصر لها ، مشحونة بالعاطفة ، وفيها اشارة على الاحتياج ، الذي يمارس صلاحيته بكل طلاقة ، ( اقسو عليّ ) تمهيدا لنقل ( الانا ) الى ال ( هو ) وهذه هي دلالة القهر والاضطهاد الذي يمارسه الاخر باسلوب يمازج بينهما في الصورة والمعنى .
لقد ظل ( الاخر ) في شعر سهى الطائي مهيمنا على اغلب نصوصها ، فالتجربة تدخل داخل اطار هذه المقاربة ، والقراءة فيها تكون من زوايا نظر مختلفة ، تضيء مفاتن النص ، 
وتوزع قابليتها على التوريط والاغواء باسلوبية رائعة ، تصنع فيها الجمال العصي على الادراك داخل فضاء النص . وتحاول ( انا ) الشاعرة ان تتموج امام الاخر لإخفاء الوانها واستدراجه بما يناسب الحال ، ليكون ظهورها الطاغي مبررا ، وقابلا للاستفزاز ، وهذا التمويه من شأنه ان يثير الاسئلة عند الاخر ، من خلال التحولات التي ترتكز على حوارية مفعمة بدلالة الاشتراك والتمثيل داخل اطار الصورة الواحدة :
قال : انت متيمة
قلت نعم .. دعوني وشأني 
فلي في الحب صولات وجولات
قال : هنيئا لك بحبك
فعشقك غير عادي
قلت : قل تبارك الله
في هذه الحوارية استنطاق في منطقة الاخر القريب ، الذي يثير الذات ويستدرجها الى مقاصد تتلائم وطبيعة التجربة ، بالشكل الذي يعمّق حضورية الاحتمال القائم على التصديق . وما تفاعل الاسئلة وتراكمها ، الا عبارة عن اثراء لغوي القصدية منه ، تبرير السؤال ضمن حدود المشهد المنفتح على التوقع المحتمل داخل الخطاب الشعري .
على هذا الاساس ، تخرج قصيدة سهى الطائي من اطار اشباع الحاجة الى القدرة اللامتناهية على الخلق والابداع ، فهي لاتريد ان تغادر ( الاخر ) كونها تمتلك طاقات لامحدودة من الاقناع المبني على فكرة الانتماء ، واعلان المسؤولية الكاملة عن حالات الذات في اوضاعها المختلفة التي تعبر عن فلسفة مكثفة ، تعيد انتاج الذات انتاجا ابداعيا ، وهي في ذات الوقت ، تريد ان تُخضع الاخر لها ، وتدفع به الى اعترافات ، لتضعه امام تفسير مناوئ .
 وهذه مناورة شعرية تقوم بها الشاعرة ، لتعرف مصيرها في مشهدية ضبابية مجهولة تقود الى ابتكار الاسئلة المؤدية الى استحضار كل مامن شأنه ان يبقى عالقا في منطقة التصور الذهني . 
وتتعزز فاعلية الرؤية الحكائية اكثرواكثر في الجملة الشعرية عند الشاعرة ، فهي لاتريد ان تحقق فعل المغادرة بوجود فاعل شعري مغادر ال ( هو ) وما تركه من دوال تفصيلية تدل عليه ، فهو المرموز دائما من قبل ( الانا ) فأغلب قصائد الشاعرة البالغة ( 80 قصيدة ) ماهي الا استكشاف لسطوة الاخر ، واكتشاف حقيقي له . ويقينا ، ان الشاعرة كانت مشكلة ينبغي على الاخر ان يستوعبها ، وان يقدّم لها حلولا مُرضية للوصول الى اقناعها ، وما الحاحها عليه الا شرط لازم من شروط وفائها له . انها شظايا المعنى المقصود ، والدلالة المتفجرة في قصائد ( الطائي ) المليئة بتراكمات الشوق والشاعرية . فبدت انها خطاب موجه ( من ــــ الى ) وهي نوع من التحدي كان على الاخر ان يستسلم له في نهاية المطاف :
تناديك
تناجيك أضلعي
ويحن بغيابك مضجعي
فليس عندي بغيابك صبر 
أقول : هنيئا لنا ب ( سهى ) فهي ليست الاولى وضوحا في شاشة التجربة ، لكنها الاولى التي تتمظهر بالايهام الذي تقرّيه من الحقيقة في فضاء الحلم والتصور، وهذه اولى محطات الابداع ، وقد استوقفتنا بها ، وسألتنا الف سؤال ، وهي تستظهر قوتها في المضي قدما نحو الحياة . ولا شك ، انها لم تدخل من الابواب المفتوحة ، بل فتحت الابواب المغلقة ..

التعليقات معطلة