شريف الشافعى
حينما تعقد الذات العزم، على الاستجابة لليقظة، فلن يثنيها عن إقدامها المثير أن تجد العالم من حولها قد رحل.
فى مجموعتها الشعرية “أمشى على حروف ميتة”، الصادرة أخيرًا عن بيت الشعر فى فلسطين بترجمة الشاعر والكاتب الفلسطينى محمد حلمى الريشة، تتحدى الشاعرة الإيرانية ساناز داودزاده فر فكرة البقاء وحدها فى فضاء خالٍ، إذ بإمكانها دومًا أن تتمرد، وتتحرر، وتثور، فلو أن صفحة الموت هى السائدة، باسودادها أو حتى ببياضها، فإن معنى آخر من معانى الحياة أن تكتب على هذه الصفحة شيئًا:
“الموتُ ورقةٌ بيضاءُ لِنصٍّ؛
يجبُ أَن نَكتُبَ علَيْها شيئًا
إِن كانَ مُمكنًا،
فأَنا مُستعدَّةٌ أَن أَكتُبَ سُطورَكَ”.
من خلال عنوان المجموعة “أمشى على حروف ميتة”، تقدم الشاعرة مفارقة أولية، فهناك ما هو استاتيكى “الموت”، وهناك ما هو دينامى “فعل المشي”. أما التحوُّل الملاحظ، أو التمرد على الأمر القائم، فإنه يستنهض “الحروف”، فتنبعث طليقة بطاقة طائر الفينيق، الذى له جناح تراثى من التاريخ وعبق الشرق الأقصى، وجناح حداثى لطائرة نفاثة من هذا العصر، وتلك معادلة تعكس وعيها بالزمن وبالمكان.
هى تحمل طائرة ورقية فى يدها الحرة، وتراوغ الموت الجلى بين زهوره المنثورة، فلديها بذور تنمو بسرعة تفوق نمو الموت، وحصاده. كيف يسكن القبورَ مَنْ هم أحياءٌ؟ وكيف ينام على الأسرّة مَن هم موتى؟ تعيد الذات تشكيل الحياة من جديد، كى تتلاءم معها، منطلقة من مبدأ “أكون أو لا أكون”، فى وقت يردد فيه كثيرون أن “المسألة خطأ كبير”.
الرغبة ملحّة فى تجاوز هذا الخطأ، وتحطيم القيود، وخلخلة الثوابت. إن هذه الذات، التى تعترف بأن العالم دخاني، والخط المستقيم الذى يصل بين نقطتى البداية والنهاية أقصر من سيجارة “أَدورُ داخلَ دُخانِ سيجارتِكَ الَّتى أَشعلتَها، ومعَ آخرِ رشفةٍ مِنها يَبقَى عَقبُها، ولاَ شيءَ يَبقَى منِّي”، هى أيضًا الذات المحتفظة فى مكنونها بسر الوجود، وإكسير الخلود. بمؤثر حياتى بسيط، مباشر، يمكن دعك الفانوس السحري، ليخرج منه المارد. جوانيات الكائن الإنسانى العريق مسكونة دائمًا بهبات التاريخ، والروح ذات الظلال المجيدة منذ الأزل قادرة على صنع المعجزات: “عندَما أَشمُّ رائحةَ الحبِّ، لاَ تستطيعُ مروحةُ أَى مصنعٍ، أَن تكونَ منافسةً لِي/ مزِّقونى كبَتَلاتٍ، وأَرسِلُونى إِلى “باريسَ”، وادْعُونى “جُولييتَ”، سأَكونُ العطرَ الأَكثرَ بيعًا”. لا شيء يمكن أن يأسر تلك الذات، المتسلحة بقلمها الرصاص ضد رصاصات العالم المهلكة.
هى صواريخ الدفاع الخاصة، ضد موجات القصف. هى الحركة فى مواجهة الكمون. هى رغبة الذات الإنسانية فى الخروج من قمقمها، لتحقيق مرادها بكل السبل، وإن لم يكن هناك درب، فمن الممكن خلقه خلقًا بفعل الإرادة، والسخرية من كل خطل جليل، ولو كان بلون الموت:
“ولدتُ علَى أَزيزِ الرَّصاصِ،
والقذيفةُ جزءٌ مِن عائِلتي،
والسَّريرُ
مكانِى وزَوجى والقصفُ،
وكَفني
سترَتى المفخَّخةُ لعمليَّاتٍ انْتحاريَّةٍ؛
الموتُ هوَ لُعبتى الصَّغيرةُ”
هذه الذات الشاعرة الرحبة، حين يتساقط الوقت مثلَ قطرات، فإن حدودها هى “كلُّ الأَوراقِ الخضراء”، وعبورها ومرورها بحجم المجرة. فى تجربتها الخصبة، تدرك الذات الشاعرة أن خلاصتها “كاليعسوب”، إذ بأقل القليل يمكن منح الحياة الكثير. أما الموت، ذلك الكائن المنهزم دائمًا أمام طاقة إيجابية تفجيرية كهذه التى تحملها القصيدة، فإنه يشارك الذات رحلتها مع الحروف، منذ كلمة “كن” فى البداية، حتى الكلمة الأخيرة، التى لا يدرى أحد من سيقولها، وبأية لغة:
“حينَ يأْتى الموتُ
يكونُ الكلُّ فِى إِجازةٍ.. إِلاَّ أَنتِ
وسيكونُ عليكِ أَن تَمشى معهُ
ولاَ تعلمِينَ مَن منكُما
سَيقولُ الكلمةَ الأَخيرةَ؟!”.
هذه الذات الشاعرة، والعاشقة، يمكن لنصفها الآخر، الحاضر أحيانًا، والغائب فى أوقات أخرى، أن يستطلع عنها من العصافير، القادرة على الغناء والطيران فى أحلك الظروف وأقساها، فقواعد لغة العصافير دائمًا فى نظراتها الأنثوية. إن هذا الحب، الذى يمنحها القدرة على أن تكون “الأكثر مبيعًا” بمعايير العصر، هو الذى يحميها من الهاوية، وإن نالها سقوطٌ لحظى ما، فى مكان ما، ستسقط وهى ترقص، بل إن الرقصة ستتحول إلى نقش فذ على حجر، يبلى الزمان ولا يتبدد هو:
“قدْ أَسقطُ فِى مكانٍ مَا،
لمْ تُولَدُ الحروفُ فيهِ بعدُ،
ولا يوجدُ تدقيقٌ بأَى تفكيرٍ
هناكَ بثيابٍ منَ الزُّهورِ،
سأَرقصُ وأَنا أَتذكَّرُكَ
وسأَنقشٌ رَقصتى فِى حَجرٍ
وحتَّى بعدَ بليونِ سنةٍ
سيكونُ الحبُّ معنَى هذهِ الرَّقصةِ”.
وفى حين يبدو الوقت مفقودًا فى أجواء الارتباك والاضطراب والكوابيس التى قد تحل بغتة أو تسود، فإن قصيدة ساناز لا تتخلى لحظاتها الحياتية وتفاصيلها العابرة عن الانفتاح عادة على أكثر من عُمق، منها الرافد المعرفي، والاستنباط الذهني، وحكمة الأجداد، والفلسفة، وأيضًا ذلك المدد التراثى التاريخى الزاخم، فشاعرة إيران المعاصرة هى فى الوقت ذاته ابنة حضارة فارس، ومن ثم فإنها تمهّد للديوان (قبل أولى قصائده) بإشارات التمسك بالجذور، فرحيل الأجداد لا يعنى امّحاء أثرهم، تقول: “رَحل جدِّي، وبقى لطفهُ هُنا/ لونُ اللُّطفِ أَخضرُ/ وأَن تكونَ الأَخضرَ، فَهذا جريمةٌ لاَ تُغتَفرُ/ الشِّعرُ يبقَى أَخضرَ أَيضًا، حتَّى بعدَ تنفيذِ الجريمةِ فيهِ”. التجربة الشعرية هنا مفتوحة النوافذ على الاتجاهات كلها، شرط ألا تقتلع الرياحُ الشجرة من منبتها، بتعبير غاندي، والهدف الغائى دائمًا: الوصول إلى عبارة تشبه البشر:
“جميعُ الخياراتِ مطروحةٌ علَى الطَّاولةِ؛
أَن ترسُمَ الصَّباحَ علَى كلماتِكَ.
أَن أَركُضَ بجانبِ غيابِكَ.
أَن نصلَ الى جملة تشبه اليدين، الشفتين
أَنتَ لمْ تَزلْ
تَصبُّ الصَّمتَ فِى الكأس
وأَنا أَشربُ خيالك”
هذا العمق الإنساني، يوازيه أيضًا تاريخ الألم “أَلمى مَحفورٌ فِى جسَدي، بالحُروفِ المسماريَّةِ، ستُشاهدونَ أَلمى فِى المتحفِ”. إن هذه الذات التى وُلدتْ وهى تبكي، وعاشت وهى تصرخ، تعرف أنها دائمًا فى طريقها إلى الرحيل، لكنها تتمنى بلوغ التلاشى الموعود فى أثناء احتفاظها بابتسامة محددة، هى ابتسامة الموناليزا، إذ هى وقود الماضي، وفاكهة الحاضر، والمفتاح السرى إلى مستقبل غامض، يتشكك البعض فيه، لكن لا مناص من الدنوّ منه. وفى النهاية، هناك دائمًا وقت آخر، لكلمات أخرى، وأخيرة:
“فى جيبِ الكلماتِ المثقوبِةِ
كلُّ الحرُوفِ
مَفقودةٌ..
لكنْ هناكَ وقتٌ؛
أَرسِلْ آخرَ الكلماتِ إِلى لسانِكَ”
ساناز داودزاده فر، جزيرة معزولة لكن مأهولة، وأشجار تتنفس بصعوبة، وقدمان حافيتان تتحركان بثقل بالغ، لكنهما قادرتان على أن تعيدا النماء إلى أعشاب ميتة.

