Pdf copy 1

عبدالرضا صالح محمد
هل رأيت بكاء السماء ، وغضب الشمس و غيابها عن الكون ليحل الظلام كلَّ الوجود ؟ ذلك يوم انحسارها في مساحة يندى لها جبين الإنسانية ، جرمٌ فَعَلَهُ أصحاب الرايات السود الموغلة بدماء الأبرياء .  استشعرت مجسات حواسي الخاملة أصواتا ، كأنها تأتي من خلف الآفاق ، ما لبثت أن اتضحت تتجسد من أنفاسها : همهمة وضجيج وعراك وازدراد فأدركت إنها تصدر عن هوام الجزيرة ، تواصل ضجيجها إلى مسامعي . بقيت ساكنا أفكر :
ـ أين أنا ؟ ماذا حل بي ؟ وما هذه الأصوات ؟
فجأة تحرك الجسد الذي فوقي ، ارتعدت فرائصي ولم أحرك ساكنا ، راح يتراجع إلى الخلف ثم توقف ، وعاد من جديد يصحبه صوت ازدراد وخيوط ماء لزجة ، أرهفت السمع فاذا هو كلب يسحل به . فتحت عيني ، كان القمر قد أرسل ضوءه الحزين ،فرأيته كلبا مسعورا ، وكلما سحبه كشف عن جسدي أكثر حتى ظهر رأسي ، وما أن رآني وما ان تقاطع شعاع نظري بشعاع نظره استشاط غضباً وغيضاً ، ترك الجثة وتقدم نحوي يزأر ، ثم فتح فكيه ليكشف عن أنياب متسخة بالدماء ، تراجعت إلى الخلف قليلا فازداد شراسة حتى جثم فوق صدري ، حينها راحت يداي تبحثا بلا شعور عن شيء تدافعا به عني : حجر أو قطعة لحم ، أو يد مقطوعة أو عظم متروك ، فلم تجدا سوى كتلة دماء متخثرة ، تناولتا الدم وقذفتا به على وجهه ، تراجع وهو يلعق الدم بلسانه ويهز رأسه بقوة للتخلص من الدماء التي علقت بعينيه . ثم تركني ومضى يولول بعيدا .وأنا أقول في نفسي:
ـ أليس غريبا أن أنجو من رصاص الأوباش لأكون ضحية لكلب عقور .
بقيت على وضعي أتحسس المكان لا يزال هناك الكثير من الكلاب منتشرة على حافة الحفرة التي مُلئت بأجساد إخوتي الجنود النازحين من قاعدة إسبايكر إلى ديارهم !! بعد حين سمعت من بعيد صوت إطلاق نار كثيف اخذ يقترب رويدا نحو الحفرة ، هربت الهوام وانقطع الرصاص وساد المكان السكون .
جمعت قواي وسحبت نفسي نحو حافة الحفرة انزلق فوق الأجساد المتضمخة بالدماء ، تلمست جسدي باحثا عن الجروح فلم أجد سوى جرحا بسيطا في ذراعي ما إن تحركت حتى بدأ الجرح ينضح ، مزقت ردن قميصي وضمدت الجرح بواسطة يدي الأخرى وأسناني ، تركت الحفرة ورحت أحبو بعيدا عنها ، ولمسافة قريبة توقفت اسأل نفسي :
ـ هل أنا أسير بالاتجاه الصحيح ؟
نظرت إلى السماء ابحث عن النجم القطبي ، فلاح لي باهتا حزينا ، ومنه عرفت إني أسير بالاتجاه المعاكس الذي يؤدي إلى معسكر التكفيريين . عدتُ مسرعاً حتى وصلت إلى الأجساد المخضبة بدماء الشهادة ِ توسدوا الثرى كفتية الرقيم نيام وهم رقود ، أو كالأجساد الطاهرة في يوم عاشوراء .
تجاوزت مكان المجزرة ، وقفت على قدمي وبدأت السير فشعرت ببقية قوة في جسدي ، عدوت وتسارعت حتى اجتزت مسافة كبيرة محافظا على اتجاهي . كاد الفجر ينبجس نظرت في جميع الاتجاهات ، فرأيت بستانا بعيدا في الجهة الغربية من المكان ، قصدته مسرعا لأختفي فيه وأنال قسطا من راحة .، مكثت فيه حتى أشرقت الشمس ، ومن دفئها وإعشاب الأرض ارتويت ، أرى من بعيد الطريق تمرح به عجلا المجرمين ، برحت في مكاني متواريا خلف أجمة كثيفة الأغصان ، تداعت أنفاسي وداعب الكرى جفوني ، نمت نوما عميقا ، وفي الفجر الثاني استيقظت على صوت الرعاة . ذهبت نحوهم أستجير بهم واطلب الأمان ،فأمنوني على حياتي وألبسوني من ثيابهم ، ورحنا نقطع المسافات عبرنا الكثير من نقاط تفتيش التكفيريين ، كان القطيع يقوده شيخ كبير معروف وما أن نصل إلى نقطة تفتيش يسمحون له بالعبور .
وصلنا إلى قريتهم في أطراف مدينة الأسحاقي وهناك جثم الضأن واستقبلتنا نسائهم بالترحاب ، افردوا لي غرفة مفروشة ودخل علي الشيخ رحب بي قائلا : 
ـ حللت سهلا ، أهلا بك أنت في بيتك سأفديك بنفسي وعائلتي ، فارتح هذا اليوم وغدا تصل اهلك ودعا احد أولاده طالبا منه أن يتصل بأهلي ، أعطيته الرقم ، طمأنهم بسلامتي ، خرجا ودخلت علي امرأة طويلة وضعت على رأسها شالا واتزرت بعباءتها وفي يدها صينية فيها إناء من لبن ورغيف خبز وتمر قالت : أهلا بك يا ولدي ومرحبا ، حمدا لله على سلامتك ، وضعت الطعام أمامي وخرجت ، وما ان تناولت اللبن والخبز حتى نمت نوما عميقا .في صباح اليوم التالي أفرجت الشمس عن أجنحتها طائرا يحلق نحو مدينتا .

التعليقات معطلة