Pdf copy 1

منشد الاسدي 
تنطلق نظرة الاسلام الى بناء المجتمع ونهضته من خلال الانسان وبنائه , فالانسان هو الذي يبني المجتمعات ويقيم الدول وينشىء الحضارات , وهو نفسه الذي يهدمها , وهنالك دائما علاقة طردية بين نمو أو تراجع الانسان وبين نمو أو تراجع المجتمع , 
أن المجتمع الاسلامي الذي أنطلق من العرب في القرن السابع  الميلادي , ومن المدينة المنورة على وجه التحديد , أستطاع ان يتحول الى مجتمع عالمي يمتد على أكثر بلدان العالم القديم في اسيا وأفريقيا وأروبا , وذلك خلال أقل من مائة سنة , هذه النهضة لم تقم على امكانيات مادية هائلة وانتصارات تكنلوجية مدوية , وانما قامت على الانسان , فالاسلام صنع الانسان الذي استطاع بدوره أن يصنع الحضارة , والا فأن موارد أصغر ناحية من نواحي الامبراطورية البيزنطية أو الفارسية كانت في ذلك الزمان أكبر من جميع امكانيات الجزيرة العربية المادية .
لقد جاء علي بن أبي طالب ( ليحكم ) بعد موجه واسعة من الصراعات والخلافات التي كادت ان تذهب ببيضة الاسلام , فحاول أن يصحح المسيرة القصيرة التي قاد هو نشوئها مع حبيبة وأبن عمه المصطفى محمد ص , فأنطلق في تعامله مع الانسان من خلال مفهومين أساسيين , مفهوم الحركة الـتأريخية , ومفهوم القيادة . في الحركة التأريخية خاطب – عليه السلام – ضمير الانسان وفكره بين حدين , حد الوعد وحد الوعيد , وفي نفس الوقت وضع هدفا أعلى لحركة المجتمع تسير بأتجاهه في رحلة بنائية كبرى , الوعد يعني الامل والتفاؤل بالنصر , والثقة بالله وبقدرة الانسان المنسجمة مع الارادة الالهية , ويعني أيضا أنتظار الثواب وثمرة الجهاد والعمل الصالح في الحياة , والوعيد هو التهديد والتخويف من العقاب الذي ينتظر الكافرين والمرتدين والظالمين والقاسطين والمارقين والمنحرفين عن الحق . سعى علي بن أبي طالب لان يوجد ( المثل ) الاعلى في المجتمع لكي لايكون في المجتمع حجة من عدم وجود القدوة , وصار يبدأ بولاته الذين يضعهم على الامصار والبلدان , وهو الذي أمر ذات يوم بعزل ( عثمان بن حنيف ) لما تناهى الى سمعه أنه قد دعي الى ( وليمة فاخرة ) ومع أن الدعوة هذه ليست حراما , ولاكفرا ولامنافيه للتقوى , لكن لان هذا الوالي يمثل ( عليا ) فليس عليه أن يتخم بالاكل وحوله بطون جياع تملأ ( بيوت الصفيح ومخميات النازحين )!! سعى أيضا –عليه السلام – أن يزيل الخلاف ويوحد المتخالفين ويقضي على الفوارق بين الناس من خلال مفردة في دستوره ( الانسان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ) فلا يميز أنسان عن أخر أنتمائه لحزب أو لتيار أو لحركة , ولاكرسي مرتفع وأخر منخفض , هذا ليس في قاموس علي , علي أراد أن يظهر في المجتمع المثل الاعلى الذي عبر عنه القرأن ( ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) , المثل الاعلى للمجتمع الاسلامي هو التقوى , فبينما تلهث المجتمعات المادية وراء المادة واللذات الانانية , نرى المجتمع الاسلامي يتحرك بأتجاه التقوى .المجتمع ( المترف ) لن يتمكن من فهم ( المثالية ) التي كان عليها علي , هذه المثالية التي أخذها ( الغرب ) وبنى منها أمما متطورة ,بل المجتمع بحاجة الى استحضار المشروع ( الاصلاحي ) عند علي , وليس مشروع ( الهوية ) التي تستخدم ضد الاخر .

التعليقات معطلة