Pdf copy 1

جلال الحسناوي
ليس أخطر ما يصيب الأمم أن تُهزم في ميدان القتال، وإنما أن تُهزم في ميدان الإدراك. فالهزيمة العسكرية قد تُستدرك، أما إذا تبدلت موازين الحق في العقول، وانقلبت معايير الهدى في النفوس، فإن الأمة تكون قد فقدت بوصلتها، ولو بقيت ترفع الشعارات ذاتها وتردد الأسماء نفسها.
ولهذا كانت سنن الله في الأرض لا تبدأ من حركة السيف، بل من حركة الوعي. فالشيطان لم يبدأ مشروعه مع آدم بالسلاح، وإنما بدأه بتحريف الإدراك، وإعادة تشكيل صورة الحقيقة. وفرعون لم يؤسس سلطانه بالقوة وحدها، وإنما أسسه يوم قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ ( غافر:26) ؛ فاحتكر الرؤية قبل أن يحتكر السلطة، وصادر العقول قبل أن يصادر الأوطان.
ومن هنا نفهم أن الفتح الذي افتتحه الله بمحمد صلى الله عليه وآله لم يكن فتح مدينة، ولا توسع دولة، ولا غلبة قوم على قوم، وإنما كان فتحًا للإنسان؛ تحريرًا لإدراكه، وإعادته إلى ميثاق الله، وردَّه إلى ملة إبراهيم التي تقوم على إخلاص الحكم لله وحده. فالفتح في القرآن ليس حدثًا ينتهي، بل سنّة إلهية باقية، ما بقي في الأرض رجال يحملون عهد الله ولا يبدلونه. ولهذا لم يكن الفتح بحاجة إلى من يحتفل بذكراه، بل إلى من يحفظ امتداده من أن تعبث به أيدي التحريف.
وفي هذا الموضع تتجلى نهضة الإمام الحسين عليه السلام:
فلم تكن نهضته خروجًا إلى الموت، ولا طلبًا للشهادة لذاتها؛ لأن الشهادة في منطق القرآن ليست غاية، وإنما ثمرة الصدق إذا استدعى طريق الله بذل النفس. كما لم تكن حركته ردَّ فعلٍ على ظلم عابر، بل كانت استجابة لسنّة إلهية اقتضت أن يقوم في الأمة شاهدٌ يحفظ الفتح حين يقترب الانقلاب من ابتلاع معالمه.
ولهذا قال الإمام الحسين عليه السلام: (من لحق بنا استشهد، ومن لم يلحق بنا لم يدرك الفتح) إنها ليست دعوة إلى الموت، بل إعلان عن قانون من قوانين الله.
فالفتح لا يدركه القاعدون، ولا يدركه الذين يراقبون التاريخ من خارجه، وإنما يدركه الذين يدخلون ميدان الابتلاء، ويصدقون ما عاهدوا الله عليه. ولهذا جاء القرآن ليجمع بين الشهادة والانتظار في مقام واحد، فقال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)فالقرآن لا يجعل الفتح حكرًا على من قضى نحبه، ولا يحرم منه من بقي ينتظر؛ لأن المعيار ليس الموت ولا الحياة، وإنما الثبات على العهد. ومن هنا فإن الذين قضوا نحبهم، والذين ينتظرون، كلاهما يشتركان في حفظ الفتح، وكلاهما امتداد لسنّة واحدة لا تنقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فيغدو الإمام الحسين عليه السلام سنّةً قرآنيةً متحركة، لا شخصيةً تاريخيةً تُحصر في زمانها. إنه شاهد الفتح حين يُراد للفتح أن يتحول إلى ذكرى، وشاهد الميثاق حين يُراد للميثاق أن يتحول إلى شعارات، وشاهد الحكم لله حين يُراد للحكم أن ينتقل من السماء إلى أهواء البشر. إن أخطر ما فعلته منظومات التحريف عبر التاريخ أنها لم تبدأ بتغيير الأحكام، بل بدأت بتغيير معيار الحكم نفسه. فهي تعلم أن الناس لن يتركوا الحق ما داموا يرونه حقًا، ولذلك كان لا بد أولًا من إعادة تشكيل إدراكهم، حتى يغدو الباطل حقًا في أعينهم، والطاغوت وليًا، والانقلاب إصلاحًا، والتبديل اجتهادًا. وهنا كانت المعركة الحقيقية.
لم تكن معركة الإمام الحسين عليه السلام مع رجل، بل مع منظومة أرادت أن تنتزع مرجعية الأمة من الله، وتجعلها بيد الطاغوت . أرادت أن تنتقل بالأمة من قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ إلى حكم البشر بأهوائهم، ومن سلطان الكتاب إلى سلطان القوة، ومن عهد الله إلى شرعية الغلبة. ولهذا فإن تصوير الإمام الحسين عليه السلام على أنه لم يكن معنيًا بالحكم، تصوير يحتاج إلى مراجعة في ضوء القرآن.
فالحكم الذي ذمه القرآن ليس الحكم بما أنزل الله، وإنما الحكم بغير ما أنزل الله. أما الحكم الذي يقوم على الكتاب الكريم فهو من أعظم مظاهر العبودية لله، ولذلك قرن الله بين الكتاب والحكم في مواطن كثيرة، وجعل الحكم آيةً من آيات الاصطفاء، لا وسيلةً للسيطرة.
ومن هنا لم يكن الإمام الحسين عليه السلام طالب سلطان، بل كان صاحب أمانة الحكم الإلهي؛ لأن الحكم ليس ملكًا يتنافس عليه الناس، وإنما مسؤولية يؤديها من جعله الله شاهدًا على كتابه. فلو تنازل أهل الحق عن الحكم الذي أنزله الله، لكانوا قد تركوا الأرض لحاكمية الطاغوت، ولتعطلت الغاية التي من أجلها جعل الله الإنسان خليفةً في الأرض. إن القضية لم تكن: من يجلس على كرسي الحكم؟ بل كانت: من يحكم بما أنزل الله؟ وهنا يكمن الفارق بين من يطلب السلطة لنفسه، ومن يحمل الحكم أمانةً لله. ولذلك وقف الإمام الحسين عليه السلام ليمنع ولادة إنسان جديد، لا يعرف الحق إلا من أفواه السلاطين، ولا يرى إلا ما يراه الطاغوت، ولا يزن الأمور إلا بميزان القوة. لقد كان الصراع على صورة الإنسان قبل أن يكون صراعًا على صورة الدولة. فإما إنسانٌ خليفةٌ لله، يستمد وعيه من الكتاب، ويخضع لحكم الله وحده. وإما إنسانٌ تابعٌ للطاغوت، يستمد وعيه من القوة، ويخضع لما تفرضه السلطة من معايير. ومن هنا لم تكن كربلاء معركة على أرض العراق، بل كانت معركة على مستقبل الإنسان. ولم يكن الدم الذي سُفك فيها نهاية مشروع، بل كان حفظًا للعهد حتى لا ينقطع خط الفتح الذي ابتدأ بإبراهيم عليه السلام ، وتجدد بمحمد صلى الله عليه وآله، وشهد عليه الإمام الحسين عليه السلام، ويبقى ممتدًا في الذين ﴿يَنْتَظِرُونَ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *