عصام حسين الحديثي
في الوقت الذي يواجه فيه العراق واحدة من أخطر الأزمات المائية في تاريخه لم يعد الحديث عن حلول تقليدية كافياً فالجفاف يزحف والأهوار تتراجع والأراضي الزراعية تتصحر وشط العرب يعاني من ارتفاع الملوحة وتراجع الإطلاقات المائية لذلك فإن العراق بحاجة إلى مشاريع استراتيجية توازي حجم التحدي وليس إلى معالجات مؤقتة. من بين المشاريع التي تستحق الدراسة الجادة يأتي مشروع النهر الثالث وهو المشروع الذي طرح فكرته الدكتور العالم العراقي إبراهيم العيساوي ويهدف إلى استثمار كميات المياه التي تذهب هدراً نحو شط العرب وتحويلها إلى مورد اقتصادي وزراعي وبيئي يخدم العراق لعقود طويلة. إن أهمية هذا المشروع لا تكمن في كونه قناة مائية جديدة فحسب بل لأنه يمثل رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية فالمياه التي تضيع اليوم يمكن أن تتحول إلى شريان حياة يغذي آلاف الدونمات الزراعية ويعيد الحياة إلى مناطق الجنوب ويؤمن احتياجات السكان من المياه بعد معالجتها فضلاً عن دعم الثروة السمكية وإنعاش الأهوار التي تعد إرثاً حضارياً وبيئياً عالمياً. كما أن المشروع سيسهم في الحد من آثار التغير المناخي وتقليل التصحر وخلق فرص عمل في الزراعة والصيد والنقل والصناعات المرتبطة بالمياه وهو ما يجعله مشروعاً اقتصادياً بقدر ما هو مشروع بيئي وإنساني. إن الدول الناجحة لم تنتظر حلول الآخرين بل اعتمدت على عقول علمائها وخبرائها والعراق يمتلك كفاءات علمية قادرة على تقديم مشاريع رائدة إذا وجدت من يستمع إليها ويدعمها ومن هنا فإن أفكار الدكتور إبراهيم العيساوي تستحق أن توضع على طاولة الحكومة وأن تُدرس من قبل الوزارات والجامعات والجهات المختصة وفق أسس علمية وهندسية واقتصادية. إننا ندعو دولة رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة وطنية تضم خبراء المياه والري والاقتصاد والبيئة لدراسة هذا المشروع بصورة شاملة وبيان جدواه الفنية والمالية لأن مستقبل العراق المائي لا يحتمل التأجيل. إن الماء ليس مجرد مورد طبيعي بل هو أساس الأمن الوطني والغذائي والاستقرار الاجتماعي وكل مشروع يحافظ على قطرة ماء هو مشروع يحافظ على مستقبل العراق. النهر الثالث قد لا يكون مجرد قناة مائية بل قد يكون بداية مرحلة جديدة تعيد إلى الجنوب خضرته وإلى الأهوار نبضها وإلى العراق ثقته بقدرة أبنائه على صناعة الحلول.


لا يوجد تعليق