منهل عبد الأمير المرشدي
من البديهي جداً أن يجد المواطن العراقي نفسه حبيس مقعده داخل سيارته أو في زاوية من زوايا (الكيا) يستنشق دخان سكارة أبو سباهي رغم أنفه وقد يقضي نصف نهاره في هذا الحال حتى يصل دائرته أو مرامه حيث لا يجد من يعذره فإن كان موظفا كانت عقوبة الغياب بانتظاره، وإن كان مراجعا لإنجاز معاملة قالوا له تعال (باجر). إن أسباب التأخير كثيرة وهي في بلادنا منذ هطول نعمة الديموقراطية التوافقية المحاصصاتية علينا لا تعد ولا تحصى وكان اخرها انني اضطررت ان اسير الهوينا خلف الفتى الأسمر حافي القدمين المجاهد من اجل رزق عياله وهو يمتطي كرسي القيادة في عربة محّملة بإسطوانات الغاز يجرها حمار كأنه يرتدي (قاط رصاصي) كما إنه بالإمكان أن يكون سبب التوقف موكب أحد (المسعولين) قد جاء عكس السير بصافراته ورصاصه وصياح أفراد حمايته وغير هذا وذاك. إذا كان ما ذكرته من أسباب التأخير وقطع الطريق هو لساعة أو ساعتين في يوم فإن ما لم يكن في الحسبان هو أن يقطع الطريق العام الرئيسي والوحيد في المنطقة لعدة أيام لأن مجلس العزاء على روح المرحوم والد أو خال او جد أو قريب المسؤول الفلاني مقام بجانب ذلك الطريق أو فوقه وهنا تقوم قيامة الأهالي في المنطقة وعليهم أن يغادروا بيوتهم قبل ضياء الشمس ليبحثوا عن طريق بديل للوصول إلى مقاصدهم وهكذا عند عودتهم وهم يرقبون عن بعد مجلس العزاء الممتد على طول الطريق المحاط بالجكسارات والرجال المدججين بالسلاح والعتاد من كل الصنوف جيشا وشرطة وقوات برية وبحرية وجوية ولسان حال الناس المحاصرين في (كيا) في طابور الزحام وهم ينظرون لهذا المشهد (الجلل يتساءلون بينهم من المتوفي فينبري السائق ليقول لا بّد إنه قدم للإنسانية الكثير ربما هو مخترع ما بعد الذرّة أو ثائر ما قبل الثورة فيرد عليه أحدهم وكان جالسا في قعر (الكيا) قائلا حتى لو كان كذلك فهل يحق لأهله وذويه أن يعاقبون الناس بهذا الشكل البشع فيقول آخر أشعر بالخجل من نفسي وأنا أتذكر كيف أقمت العزاء على والدي في سردق صغير بزقاق ضيّق فهل كان أبي أقل شأنا من هذا أم إن مشكلتي إني فقير الحال ومشكلة أبي إنه والدي أنا وليس والد رجل ذو منصب في دولة عراق ما بعد الحرية فأجابه من كان جالسا بجنبه وقال له متندراً محاولاً تلطيف الجو المحتفن داخل (الكيا): المشكلة فيك أنت وأبيك.. لكن صبيا كان يجلس في صدر الكيا قرب السائق قطع نزاع القوم والتفت اليهم وهو يقول (عمي هذا كله رياء وتفاخر وأبوك وأبوه وأبوي يروحون لنفس الحفرة وبنفس الكفن وكل واحد وعمله ومجلس العزاء الصحيح والأفضل هو بالمسجد). صمت الجميع ولم يرد على رأي الصبي أي منهم. ولأن سخونة الجو ألهبت أعصابهم وأعرقت أجسادهم وأدمعت عيونهم التي اشرأبت غضبا وهم ينظرون لمجلس العزاء الطويل جدا وقرأوا الفاتحة على روح المرحوم والدعاء بالخنصر والإبهام كل على طريقته الخاصة.

