ا.د.حمزة محمود شمخي
اطلقت الحكومة قبل ايام الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم للسنوات العشرة 2022-2031. والغرض الاساسي من هذه الاستراتيجية هو تطوير منظومة التربية والتعليم في العراق ،وقد اكد السيد رئيس الوزراء ان(الاستراتيجية تسعى إلى رسم خريطة طريقٍ لإصلاح المنظومة التربوية والتعليمية، بما يتطابقُ مع المعاييرِ الدولية، وترفع جودة وكفاءة نظامنا التربوي والتعليمي).
وعلى وفق هذه الرؤيا فان هذه الاستراتيجية سوف تضمن في حال نجاحها تطوير منظومة التربية التي تعد مدخلات لمؤسسات التعليم في العراق وتخلق جيلا من الشباب يتمتع بالمهارات المعرفية الرقمية في مجتمع الذكاء السائد.
وجاءت هذه الاستراتجية بعد ان سجلت الكثير من الملاحظات من ان التعليم العالي في العراق يتسم بضعف مستوياته العلمية وجودته وضعف الادارة المؤسساتية التي تحملت المسؤولية الادارية والاكاديمية.
وحسب ما نعتقد ان واحدة من اهم المسببات لذلك التدني انما يعود الى عدم استقلالية الجامعات واتخاذ دورها في مسيرة التعليم العالي حيث الاعتقاد من ان تلك الاستقلالية سوف تضمن رقي التعليم العالي وضمان جودته وفق تجارب الدول المتقدمة. فمركزية الجامعات تمثل نمط يتسم بتشدد السلطة قد لا يتناسب ظرفيا مع المهام التعليمية للجامعات وتربية الجيل الذي ينتمي لها حاليا وهو جيل المعرفة الرقمية .
اضف الى ذلك ان مركزية ادارة الجامعة وفق مضمونها قد شوهت المسيرة التعليمية من خلال غلقها للحرية الاكاديمية وبسببها قتل الابداع العلمي.وما نقصده باستقلالية الجامعة،هي الإدارة الذاتية لمكونات أدائها،وما نقصده بالحرية الاكاديمية هي حرية البحث والتدريس والتحدث.
ان استقلالية الجامعات كانت سببا في تقدم الجامعات الامريكية والاوربية التي أدركت مضمون الاستقلالية منذ زمن والتي لم تخرج عن (الادارة الذاتية لها او ما يمكن تحديده بالاستقلالية النسبية)او المقيدة والبعض ينظر لها ان تكون(استقلالية منضبطة)وهو(مصطلح جميل) يعطي حرية مقيدة تسمح بالعمل وفق ضوابط العمل العلمي والاكاديمي، بعد ان اتفقت (المجتمعات الدولية المتطورة على كون الجامعة كمجتمع للعلماء حرة في السعي وراء المعرفة دون تدخل لا مبرر له من أية جهة)كانت.
وما نقصده بالاستقلالية الذاتية او المنضبطة
هي استقلالية في المهام والوظائف دون ان تستغني الجامعات عن ارتباطها الرسمي بالحكومة لكي لا تفقد(الدعم الحكومي،ولا عن الحماية الفكرية المجتمعية، ولا عن المجتمع بمكوناته البشرية والقيمية،ولهذا فهي استقلالية منضبطة).
ان الاستقلال الذاتي المطلوب يرتكز على ركيزتين أساسيتين:
الأولى:الاستقلال الإداري والهيكلي:(أن تختار الجامعات الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسن القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية)وضمن هذه الركيزة تدخل مجموعة كبيرة من المتغيرات العاملة بدءا من حق اختيار رئيس الجامعة والعمداء ووضع قواعد العمل العلمي وشروط القبول وفتح الاختصاصات وكل مايقع ضمن هذه الركيزة المهمة.الثانية:فهي الاستقلال المالي:اي أن يكون للجامعة مصدر تمويلها المستقر من الاجور الدراسية للطلبة والتعليم المستمر ونشاطاتها البحثية والاجتماعية المختلفة اضافة الى ما تستلمة من الدولة كجزء من تمويل المنظمات الاجتماعية وكذلك الهبات والمساعدات. ان الدعوة لاستقلال الجامعات والحرية الاكاديمية لم يكن وليد حدث عابر وانما هي فكرة تجسدت منذ مؤتمر ليما عام 1988 بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي مرورا بمؤتمر عمان لحقوق الانسان عام 2004 الذي تضمن الإعلان عن مجموعة من المبادئ التي يجب توافرها وحمايتها في مجال الحرية الاكاديمية،وصولا لما اقره المؤتمر الاول لرؤساء الجامعات في كولومبيا عام 2005 بدعوة من الامم المتحدة،الذي وصف الحرية الاكاديمية تحديدا (حرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، ودون تقويض لما يمكن أن يقود إليه هذا البحث)ونشره،وبالتالي لا ينبغي اعتبار الحرية الأكاديمية(جزءا من استقلال الجامعات، أو اعتبار قضايا متعلقة باختيار القيادات الجامعية أو تقييد استقلالية الجامعات جزءا من الحرية الأكاديمية). ان الجامعات المستقلة سيكون لها دور واثر في مخرجاتها وفق إستراتيجيتها العلمية والاكاديمية التي تهتم ببعدي(التعليم للتعليم والتعليم للعمل)فالتعليم لغرض التعليم يشمل(الإسهام العلمي الحقيقي في تطور العلوم والمعارف الإنسانية المختلفة، وبالتالي الارتقاء بمستوى الحضارة المعاصرة) والتعليم للعمل(يجب أن يتجاوز المواءمة مع احتياجات السوق المحلي إلى السوق العالمي)وبما يضمن تحقيق التنافسية بين الجامعات .وما نعتقده فان الاستقلال(المنضبط)للجامعات سوف يضمن جودة التخصصات الجامعية وتطويعها لتتوافق مع احتياجات سوق العمل،(ويضمن جودة التعليم الجامعي المقدم من خلال بناء شراكات إستراتيجية مع الجامعات العالمية، ومراقبة جودة المخرجات التعليمي).
وبغض النظر عن طبيعة النظام التعليمي فان
استقلال الجامعات والحرية الاكاديمية،لاتعنى فوضى في القرار انما لابد ان يتجانس ذلك مع إستراتيجية الدولة ونظرتها الى العملية التعليمية بشكل خاص(مما يضمن بيئة تنافسية وابداعية بين الجامعات)وهو قاعدة اساسية في رصانة الجامعات وجودتها. لنفكر بذلك وان اقتنع متخذي القرار،نقترح البدء في تجربة منح الاستقلالية باختيار ثلاث جامعات في الشمال و في الوسط والجنوب ومنحها الادارة الذاتية المنضبطة وتمكينها من الانفراد في اتخاذ قرارتها وترصين استراتيجية عملها بعيدة عن التدخل وان يكون المركز العلوي (الوزارة) مشرفا لا متدخلا،وبذلك سوف نقيم رصانه العملية التعليمية، وان نجحت التجربة يمكن التعميم.

