Pdf copy 1

د.محمد الحسيني 
مثّلت الشريعة الاسلامية متناً تشريعياً خاتماً لما سبق من الشرائع السماوية، الامر الذي جعلها تختلف عن سابقاتها من التشريعات بكونها ساعيةً الى التأسيس لبردايم جديد/إنموذج فكري جديد، بما يسهم في الوصول بالشرية الى مستوى أعلى من الارتقاء والتكامل، فالبردايم الاسلامي هَدَفَ الى جعل المجتمع الاسلامي أكثر نضجاً على مختلف الاصعدة بشكل يكشف عن جوهرية فكرة عدم الحاجة البشرية الى نبي جديد أو شريعة أخرى، كما اقتضت الحكمة الالهية ان تتم التراتبية الخاتمية للأمة الاسلامية عبر متوالية عصموية، إن جاز التعبير ولاق، أي ان يَخلفَ النبيَ (ص) شخصٌ يتمتع بعين المؤهلات والصفات والتطلعات والمشروع؛ كيما تتم العملية الانضاجية للأمة بتواصل تصاعدي تدريجياً، وهو ما تحقق في مناسبة الغدير الكبرى، التي اعلن فيها النبي الخاتم (ص) أن الامام علي (ع) هو خليفته الشرعي الذي قررته الارادة الالهية، وأخذ بيعته في وقتها من جميع المسلمين المُعلنين له بالطاعة والولاء.
لقد كانت تباشير “بخٍ بخٍ لك ياعلي” التي أطلقها البعض، تُعبر عن مدحٍ ظاهري، وإذعان بالولاية العلنية، لكنها تخفي في خباياها إرادة التآمر والتنصل عن التسليم لمقررات الله تعالى ونبيه الكريم (ص)، وهذا ما تحقق في سقيفة بني ساعدة عام 11 للهجرة، وما قبلها وبعدها، هنا حدث الخلل في البردايم الاسلامي الذي أُريد له يتوقف، بل يتقهقر نكوصاً للوراء، كانت الخطة السماوية أن تُسلم سفينة الامة الاسلامية الى من يوصلها الى بر الامان، ويواصل الارتقاء بها وصولاً الى التمثّل الحقيقي لجوهرية مبدأ “الخاتمية”، وهو الأمير علي بن أبي طالب (ع)، فالأمة لم تكن تشبعت خلال الفترة النبوية بكل القيم الاسلامية نتيجة لقصر المدة، وتوسع الرقعة الجغرافية الاسلامية، ودخول الاقوام تلو الاقوام في المعتقد الاسلامي الفَتي، لذا كان من السليم ان يتسنم الامور من يفكر بنفس العقلية النبوية، ويكمل المسيرة على نفس المنهج والطريق، غير أن المتآمرين إنقلبوا، وقلبوا معهم وضع الامة، وأدخلوها في “مأزق”!.إذ تحولت المسيرة الاسلامية من فكرة البناء العقدي الذي يسعى لنفخ الايمان في الارواح والعقول لكل من يؤمن بالشريعة الخاتمة، الى تداولات سلطوية تحولت عبرها مقدرات المسلمين بأيدي من جعلها ضياع وهبات توزع حسب الرغبات والاهواء، وهذا ما يكشف عنه مقدار الحروب والمشاكل التي واجهها الامام علي (ع) خلال فترة حكمه الوجيزة، إذ دخل في حروب ثلاث، وأزمات متكثرة، رغبةً في إعادة ترسيم الحدود الصحيحة للامة الخاتمة، وإخراجها من مأزقها الجسيم، ومع كل جهودة الكبيرة في هذا السياق، إنتهت حياته المباركة شهيداً في بيت الله، ليُعلن شكواه على الأمة التي تنكّرت له، وتخلّت عن بيعتها وعهدها.لقد كانت لحظة الغدير، واعلانها الرسمي بالولاية لعلي (ع)، من اهم اللحظات المفصلية في تأريخ الامة الخاتمة، إن لم تكن أهمها على الاطلاق، ولذلك كان من الطبيعي ان يُمثل التنصل عنها مأزقاً كبيراً إجترح الأمة الخاتمة، والمسلمون حتى الآن يرزحون تحت وطأة هذا التنصل المرير، ولله الأمر من قبل وبعد.

التعليقات معطلة