Pdf copy 1

محمد عبد الجبار الشبوط
اولا، الله،  بوصفه الضامن الاعلى للحرية.
ليست الدولة الحضارية الحديثة ملحدة، ولا ينبغي لها ذلك، فهي تؤمن بالله باعتباره الخالق والضامن الاعلى للحرية، وتثق به. 
خلق اللهُ الانسان حرا، لكن مع ظهور الدولة اضحت حرية الانسان معرضة للخطر.  يميل  الحكام الى الطغيان والاستبداد، وهم في لحظات معينة قد يتصورون انفسهم الهة، سواء اعلنوا ذلك ام اضمروه في مكنونات انفسهم. 
عراقيا نعرف ان اول حاكم اعلن نفسه الها هو نارام-سين ملك  (٢٢٧٣-٢٢١٩ ق م)، واخر حاكم تقمص شخصية اله هو صدام حسين (١٩٦٨-٢٠٠٣). 
وقد قدم القران صورة حية لاستبداد الحاكم حين يعلن نفسه الها في قوله تعالى: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ»، وقوله: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي»، وقوله:»قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ؟ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ»، «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟»، «قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ»، «فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ»، «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ». 
وهذا ما يقوم به بالحرف الواحد كل الطغاة والمستبدين امثال ستالين وهتلر وصدام واضرابهم. ليس من ضامن يمنع مثل هؤلاء من الظهور سوى ايمان الشعب القوي باله خلق الانسان حرا، واستخلفه في الارض، ومنع استعباده، ذلك هو الله القوي العزيز.
وفي كلا الحالتين (الاظهار او الاضمار) فان ممارساتهم تكشف عن ذلك: ضيقهم من النقد، تضييقهم على الحريات، اصطناع التماثيل والرموز الاخرى لأنفسهم وغير ذلك. واذا كان الانسان/ الشعب هو ضحية هذه الميول الغرائزية فان الله هو الكائن الاعلى المقاوم لها. لذا اعلن الله الحرب على الاستعباد والطغيان منذ لحظته الاولى. سواء في ذلك الله المتخيل ام الله الحقيقي.لجأت الشعوب الى الله المتخيل لمقاومة الاستبداد، واعان الله الحقيقي هذه الشعوب في مقاومتها للطغيان، فكان الانتقام الالهي المباشر تارة، وكان ارسال الرسل والانبياء لقيادة مسيرة الشعوب نحو الحرية تارة اخرى. على مر التاريخ سقطت الدول الملحدة وخرج الله منتصرا، ومعه الشعوب المستضعفة، وكان اخر مثال على ذلك سقوط دولة الشيوعية الملحدة في الاتحاد السوفيتي السابق. والقائمة طويلة. الحفاظ على الايمان بالله عودة الى الفطرة التي يحاربها المستبدون. والفطرة قوية لا تدحر. ومعركة المستبدين معها خاسرة. قد تهزم في معركة على الطريق، لكنها تنتصر في الحرب على المدى الطويل. الايمان بالله اتجاه تاريخي غالب. 
لكن الدولة الحضارية الحديثة لا تجبر الانسان على الايمان بالله الخالق المحرر؛ فهذا امر يخص كل امريء فيما بينه وبين نفسه،  واكراه الانسان على الايمان بالله مصادرة لحريته، مصادرة على المطلوب كما يقال، ولذلك اعلن القران: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ».
لكن عدم الايمان بالله يجعل حرية الانسان هشة، قابلة للاختراق، ويجعل الانسان قابلا للعبودية، مهيئا للقبول بها، او مايسميه الكاتب الفرنسي الشاب إيتيان دو لا بويسيه في عام 1576 «العبودية الطوعية» او «المختارة»، او «القابلية للاستعباد»، على غرار «القابلية للاستعمار»، حسب المصطلح الذي اطلقه الكاتب الجزائري مالك بن نبي.
لا تؤمن بالله! انت حر. ولكن عليك ان تعلم ان عدم ايمانك بالله سوف يخلي قلبك من اله، فيأتي من يسد الفراغ طوعا او كرها، فتفقد بذلك حريتك، ولا تحسبن نفسك حرا بعدها، حتى لو اتخذت من هوى نفسك الها: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ».
الدولة الحضارية الحديثة دولة مواطنين احرار. والايمان بالله، الصادر عن قرار حر بتقرير المصير،  وحده هو الضامن الاخلاقي لهذه الحرية. 
يتبع

التعليقات معطلة