الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي
– لقد استطاع النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أن يحدث تحولًا جذريًا في واقع المجتمع الجاهلي القبلي، إذ انتقل به من حالة الفوضى والتشرذم، ومن العيش في ظلمات الجهل والظلم والحروب القبلية، إلى أمة موحدة تحمل رسالة حضارية سامية، فأصبحت مثالًا يُشار إليه بالبنان.
– لم تكتفِ الأمة الإسلامية بإرساء قواعد العدالة والإصلاح الاجتماعي، بل امتد تأثيرها ليصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، ففرضت وجودها بين الأمم، وبرز منها علماء ومفكرون وفلاسفة أثروا مختلف العلوم، من الطب والصيدلة والهندسة والكيمياء إلى الفلسفة والجغرافيا والفيزياء وعلم الاجتماع، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات الجهل والتخلف.
– لكن واقع الأمة اليوم يُثير الحزن والأسى والالم ، فقد تراجعت قوتها، وضعفت شوكتها، وأصابها الوهن والتخلف على جميع الأصعدة، حتى باتت تعيش حالة من التراجع الفكري والأخلاقي والعلمي . لقد تحولت الأمة، التي كانت يوما ما مرهوبة مهيوبة يخشى منها ، تأخذ الجزية من أعدائها ، إلى أمة ضعيفة مُهانة يدفع بعض من دولها الجزية للكفار وهم صاغرون . ولا يُستثنى من هذا الواقع إلا الجمهورية الإسلامية في إيران التي قامت بقيادة الامام الخميني لتعيد للأمة عزتها وكرامتها ، لكنها بدلاً من أن تجد الدعم من هذه الدول وشعوبها، وجدت بعضهم يصطف مع أعدائها ويتآمر عليها ليلًا ونهارًا.
– إن السبب الجوهري والاساسي وراء هذا التراجع والانهيار لا يكمن في ضعف الشعوب ، وإنما في الحكام العملاء الذين باعوا الأمة ومبادئها وقيمها من أجل عروشهم الزائلة، وارتموا في أحضان أعداء الإسلام، فجعلوا من بلدانهم أدواتٍ لخدمة الغرب وأمريكا، بدلًا من أن يكونوا عونًا لشعوبهم ……
– وقد أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذا الواقع منذ أكثر من 1400 عام، حين قال: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: أَوَمِنْ قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت”.
– وطريق عزة هذه الامة ونهضتها وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تستعيد عزتها وقوتها بين الأمم، فلا بد لها من أن تستفيق من غفلتها، وتتحرك بجد نحو الوحدة والتكاتف،
كما قال الله تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ* أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا* رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ” (الأنبياء – 92). وعليها أن تترك الخلافات التي تؤدي إلى الضعف والهزيمة، حيث يقول تعالى:”وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ * وَاصْبِرُوا* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” (الأنفال – 46).
– اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، وبحق محمد خاتم الأنبياء، وبحق الأئمة الأولياء، أن توحد صفوف الأمة، وتؤلف بين قلوب المسلمين والمؤمنين ، وتجعلهم على قلب رجل واحد ، وأن تجمع كلمتهم على الحق والهدى، إنك على كل شيء قدير.

التعليقات معطلة