Pdf copy 1

غزوان بن محمد الغازي
ليست كل الثورات تحمل راية حزبية، ولا كل الانتفاضات الشعبية تنطلق من برنامج سياسي متكامل. ففي كثير من الأحيان يخرج الناس مدفوعين بوطأة الظلم، وضيق المعيشة، وانسداد الأفق، قبل أن يمتلكوا رؤية موحدة لشكل الدولة التي يطمحون إليها. ومن هنا ظهر مصطلح «ثوار بلا شعار»، وهو وصف يُطلق على الحركات الاحتجاجية التي يقودها الشباب، حين تتوحد إرادتهم حول رفض الواقع والمطالبة بالتغيير، دون أن يمتلكوا قيادة مركزية أو مشروعًا سياسيًا متفقًا عليه. ويقودنا هذا المفهوم إلى مصطلح آخر صاغه عالم الاجتماع العربي أصف بيات، هو «ثورات بلا ثوار»، في تحليله لعدد من انتفاضات الربيع العربي. ويقصد به أن الجماهير استطاعت، بفضل الزخم الشعبي والعفوية، إسقاط بعض الأنظمة أو زعزعة أركانها، لكنها لم تتمكن من إحداث تحول بنيوي عميق، بسبب غياب التنظيم السياسي، وضعف النخب الثورية، وعدم وجود برامج بديلة جاهزة لإدارة الدولة بعد التغيير. وفي العراق تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالشباب العراقي يعيش حالة من الإحباط والحيرة في ظل أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، ويرى كثيرون أن أساليب التفريق والاستقطاب أضعفت وحدة المجتمع، وأعاقت تشكل مشروع وطني جامع، حتى باتت القوى السياسية، رغم اختلافاتها الظاهرة، تتفق في كثير من الأحيان عند حماية مصالحها المشتركة، بينما يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. لقد شهدت انتفاضة تشرين حالة من الاستقطاب الحاد، وتعرض المتظاهرون لاتهامات متبادلة من أطراف مختلفة، الأمر الذي عمّق الانقسام بدل أن يفتح الباب أمام حوار وطني جاد حول أسباب الاحتجاج ومطالبه. غير أن التجارب أثبتت أن التشهير والتخوين والقمع لا تستطيع أن تُطفئ فكرة، ولا أن تمنع شعبًا من المطالبة بحقوقه المشروعة، بل قد تؤجل الانفجار ولا تلغيه.
إن الثورة الحقيقية ليست بالضرورة صاخبة، فقد تبدأ بصمت، ثم تتحول إلى وعي جمعي يتسع يومًا بعد آخر. إنها ثورة الضمير قبل أن تكون ثورة الشارع، وثورة الكلمة قبل أن تكون ثورة الهتاف، عنوانها الوطن، وشعارها العدالة، وغايتها بناء دولة تحترم الإنسان وتصون كرامته.
وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن هذه الحقيقة الخالدة بقوله: «لا خير في السكوت عن الحق، كما لا خير في القول بالجهل.» كما يُنسب إليه قوله: «لم تنصروا الباطل، ولكنكم خذلتم الحق.» وهي كلمات تختصر مسؤولية الإنسان أمام ضميره، فالصمت عن الظلم قد يكون، في بعض الأحيان، شريكًا في استمراره.
لقد بلغ السخط الشعبي مستويات غير مسبوقة لدى شرائح واسعة من العراقيين الذين يشعرون بأن الفساد، وسوء الإدارة، وتعثر الخدمات، واستنزاف المال العام، كلها عوامل أسهمت في تعميق معاناتهم. وحين يضيق العيش، وتندر فرص العمل، وتتراجع الخدمات الأساسية، يصبح السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يستمر هذا الواقع؟ وإلى متى يبقى المواطن ينتظر حلولًا مؤجلة؟
إن الناس لا يطالبون بالمستحيل، وإنما يطالبون بحقوق كفلتها الشرائع والدساتير: فرصة عمل تحفظ الكرامة، وتعليم يفتح أبواب المستقبل، وخدمات صحية لائقة، وسكن كريم، ودولة تطبق القانون على الجميع بلا تمييز.
لقد خرج آلاف الشباب العراقيين في السنوات الماضية احتجاجًا على البطالة والفساد وضعف الخدمات، بعد أن أصبح الحصول على فرصة عمل حلمًا يراود خريجي الجامعات. وفي المقابل، يكافح شباب آخرون يوميًا من أجل تأمين لقمة العيش، في ظل ظروف اقتصادية قاسية، وبعد تراجع قطاعات إنتاجية كانت فيما مضى تستوعب أعدادًا كبيرة من الأيدي العاملة، مثل المصانع والمعامل الحكومية التي تعرض كثير منها للإهمال أو التوقف.
وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، ما زال كثير من العراقيين يتطلعون إلى قيام دولة مؤسسات حقيقية، تُدار بالكفاءة وسيادة القانون، لا بالمحاصصة أو التوافقات الضيقة. ويرى منتقدو التجربة السياسية أن نظام تقاسم السلطة بين المكونات، وإن كان قد جاء لمعالجة ظروف معينة، إلا أنه أسهم، بحسب هذا الرأي، في تكريس الانقسام وإضعاف مفهوم المواطنة، وجعل الانتماءات الفرعية تتقدم على الانتماء الوطني.
كما أن الحكومات المتعاقبة، رغم ما حققته من إنجازات في بعض المجالات، واجهت انتقادات واسعة بسبب استمرار مشكلات مزمنة، في مقدمتها الكهرباء، والبطالة، والخدمات، وتراجع بعض القطاعات الإنتاجية، وعدم استثمار الثروات الطبيعية والبشرية بما يتناسب مع إمكانات العراق الكبيرة. إن العراق، بتاريخ حضاراته، وثرواته، وموقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، قادر على أن يكون في مقدمة الدول إذا توفرت الإدارة الرشيدة، والإرادة السياسية الصادقة، ومبدأ تكافؤ الفرص، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد بصورة مؤسسية.
ويبقى الأمل حاضرًا، لأن الأوطان لا تموت ما دام فيها أناس يؤمنون بها. وسيظل الشباب العراقي، مهما اشتدت المحن، يحمل حلم الدولة العادلة التي تكفل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، دولة يكون فيها المواطن هو الغاية الأولى، لا مجرد رقم في معادلة السياسة.
فالوطن لا يبنيه الصمت، ولا تحفظه الشعارات المجردة، وإنما يبنيه الوعي، والعمل، والعدل، والإخلاص، واحترام الإنسان. وعندما يصبح الحق ثقافة، والمواطنة سلوكًا، والقانون مرجعًا للجميع، عندها فقط يتحول حلم العراقيين إلى واقع يستحقونه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *