حنان عقيل 
– محمد جعفر روائي وشاعر جزائري، كتب في مجال الشعر والقصة القصيرة والرواية، إلا أنه استقر في نهاية المطاف على كتابة الرواية، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان “العبور على متن الحلم”، ومجموعة قصصية بعنوان “طقوس امرأة لا تنام”، أما في مجال الرواية فصدرت روايته الأولى بعنوان “ميدان السلاح”، ومؤخرًا أتبعها برواية ثانية صادرة عن منشورات الاختلاف الجزائرية ودار ضفاف اللبنانية بعنوان “هذيان نواقيس القيامة”، والتي تعد أحد أبرز الإصدارات الروائية في الجزائر هذا العام، عن روايته الجديدة، وعوالمه الروائية، ورؤيته للحالة الثقافية في الجزائر كان لنا معه هذا الحوار.
هذيان نواقيس القيامة
في روايته الجديدة “هذيان نواقيس القيامة” يعتمد الكاتب الجزائري على الحبكة البوليسية في حياكة أحداث الرواية، حيث تبدأ الرواية باكتشاف الشرطة لجثة فتاة في منزلها، ومن ثمة يبدأ التحقيق مع الأشخاص الذين تعاملوا معها، ويتحدث الكاتب الجزائري عن الحبكة البوليسية في روايته الجديدة قائلًا: “يحدث معي الأمر على النحو التالي. أكتشف بطريقة ما فكرة رواية مناسبة. تختمر الفكرة ولفترة طويلة في ذهني. تتولد بعد ذلك شخصيات الرواية وأتعرف لاحقًا على ظروفها وهواجسها وأحلامها. في كل ذلك أكون مجرد متابع. ونادرا ما أخط شيئا على الورق خشية أن يؤثر أو يحسم هذا الفعل على أي سلوك قد تنزع إليه الشخصيات لاحقا. أما الكتابة الحقيقية عندي فلا تبدأ إلا عندما أتمكن من القالب الذي سأسرد به حكاية الرواية. حينها فقط أباشر عملية الكتابة”.
ويستطرد: “هذه الرواية بالذات أرهقتني وظلت حبيسة عقلي فترة تجاوزت المعقول، ثم فجأة وجدت الحل الذي استعصى عليّ، وهو الطريقة التي سأكتبها بها. وبرأيي أن هذه الرواية لم تكن لتكتب إلا هكذا. على شكل الرواية البوليسية فإن كتبت بغير ذلك ظهرت الحكاية شاحبة وأطلت منها الشخصيات باهتة مغتصبة الروح”.
عتبة النص
وعن الكيفية التي يختار بها عناوين أعماله يقول جعفر: “العنوان عتبة النص ومدخل أساسي له، كذلك هو مفتاح أساسي لقراءة النص واستيعابه، كما تؤكد الدراسات الحديثة قيمته، ولهذا لا يجوز استسهاله أو العبث به، بعض الأعمال تحضرني عناوينها مسبقًا، وبعضها أظل أبحث لها عن عنوان مناسب دون أن أرضى عن واحد، بعضها لا يقبل أن يصير آخر وإن لم أكن راضيا عنه وبعضها يتغير في كل مرة”.
ويضيف قوله: “روايتي (ميدان السلاح) مثلًا عنوان وُلِد في آخر لحظة، ثم اقتنعت به لأنه مرتبط بالرواية التي كانت رواية مكان بالدرجة الأولى، (هذيان نواقيس القيامة) عنوان خُلقت الرواية من ضلعه وهكذا.. كذلك يجب أن أقول بقدر ما أحب أن يكون عنواني معبرًا عن نصي بقدر ما أحرص على ألاّ يكون تجاريا أو أهدف من ورائه إلى تحقيق أغراض مشبوهة”.
التأريخ للمكان
وفيما يخص ارتكاز عوالمه الروائية حول عنصر المكان يقول جعفر: “أفهم أن الرواية لا تتأسس إلا بعناصر ثلاثة وهي (الزمان والمكان والحدث)، ولا يمكنني حين أكتب إلا أن أمنح هذه العناصر الأهمية القصوى، وبرأيي المكان ليس حيز وقوع الأحداث فقط، بل يتعدى ذلك إذ هو البيئة الطبيعية التي منها جاءت الشخصيات، ويلعب دورا إيحائيا للقارئ بأن الأحداث حاصلة فعلًا. والواقع أني مهموم بالتأريخ للمكان، وأراهن عليه حين أقوم بخلق شخصياتي الروائية، ولعل الأمر راجع لتأثري بالكتاب الكلاسيكيين من أمثال دوستويفسكي ونجيب محفوظ وحنا مينا وبفلسفة المكان الخاصة بهم، أو لعله راجع لارتباطي الشخصي به، فأنا مخلوق يحن دومًا إلى الأماكن التي عبر بها ومنها ويغريني أن أكتب عنها”.
كفر الكتابة
ويرفض الكاتب الجزائري التابوهات في الحديث عن العمل الأدبي قائلًا: “إلى متى نُصِرّ على فكرة التابوه والمحرم كلما أخذنا الحديث إلى تناول عمل إبداعي يتجاوز العادي والمألوف!.. وإلى متى يظل الكاتب مرتهنًا للحدود وحبيس الأفكار الضيقة والوصاية!.. أعتقد أن الكتابة كُفْرٌ بيِّن، عصيان وشق لعصى الطاعة العمياء، وبالمطلق هي تمرد ضد كل ما تعارفنا عليه ودرجنا على الولاء له، أو هذا ما أؤمن به شخصيا، ولهذا كسر الحدود وتجاوزها أول شيء يعنيني حين أكتب”.ويستطرد: “أؤمن بالحرية ومشغول بالصدق وأرى أنه من المستحيل تحقيق الإجماع حول نص واحد. فالقارئ مزاجي وصاحب هوى وميول ويجب ألا يخضع له المبدع. والروائي ليس واعظًا دينيًا، كما لا تتحقق الرواية إلا حين تصنع الدهشة، وقد يعتقد البعض أن مفتاح هذه الدهشة الجنس مثلا. وأنا أدعمهم ما دام الأمر يمثل قناعاتهم، ولا أعتبر أبدًا بالحساسيات الضيقة”.
الكتابة تمرّد على الوصاية 
ويشدد جعفر على أنه لم يتخلّ عن قضية المرأة التي كانت محورًا رئيسيًا في مجموعته القصصية “طقوس امرأة لا تنام” قائلًا: “ما زلت أكتب على نفس الخط، أبطال روايتي الأخيرة كلهم ذكور، لكن القصة الحقيقية التي قمت بنسجها مرتبطة بهذه الذكورة وعلاقتها بمريم العربي الأنثى التي وجدت مقتولة في شقتها، إنها رواية المرأة بامتياز، فقط هناك بعض التحايل على القارئ والغرض منه كتابة نص مختلف وغير دارج”.
زمن الرواية
ويشير جعفر، الذي كتب الشعر والقصة القصيرة ثم استقر على مرفأ الرواية، إلى أنه لا يؤمن بمقولة (زمن الرواية) حيث يرى أنها مقصودة من باب الدعاية فقط، كما أنه لا يؤمن بالمفاضلة بين الأجناس الأدبية، ويرى أن الشعر لا يزال يعيش عظمته، والصنوف الأدبية جميعها في سلة واحدة، ما تعانيه هذه تعانيه تلك.
ويلفت إلى أن رهانه على الرواية يرجع إلى اعتقاده أنها القادرة على استيعاب همّه وما يشغله، حيث يجد فيها ضالته وما ينشده، ويستمد منها الانسجام والتوحد الذي يبحث عنه كل عاشق في علاقة غرامية، فضلًا على أنه لم يكتب القصة في بداياته كما هو دارج عند أكثر من كاتب، بل كان نصه الأول قصة طويلة أو رواية قصيرة، فما يشغله دومًا هو التفاصيل الدقيقة وحركية أبطاله فلا يستطع أن يكبح جماحهم وشغفه بهم لينتصر لهم في موقف واحد معين.
المسار الإبداعي
وعن الكتّاب الذين أثّروا في تكوينه الأدبي يقول جعفر: “في فترة سابقة كنت متأثرا بالكتاب الكلاسيكيين من أمثال دوستويفسكي وشولوخوف. أما سارتر، يونسكو، كامي فقد تأثرت بهم لاحقا. أدب أميركا اللاتينية لا غنى عنه: غارسيا ماركيز، يوسا، جورجي أمادو. أما حاليًا أهتم أكثر بالقراءة لميلان كونديرا، موراكامي، بول أستر. ومن الكتاب العرب أجد أن نجيب محفوظ شكّل الركيزة الأهم في مساري الإبداعي، أهتم أيضا بتجربة جبرا إبراهيم جبرا، عبدالرحمن منيف، وحاليا أمير تاج السر وربيع جابر. في الجزائر تعنيني أكثر كتابات رشيد بوجدرة، واسيني الأعرج والكاتب الشاب سمير قسيمي”.
شرنقة المثقف
ويلفت جعفر إلى أن الحركة الثقافية في الجزائر كانت ولا تزال باهتة، وذلك راجع في الغالب إلى سيطرة أشباه المثقفين على المؤسسات المرتبطة بالفعل الثقافي. أما المهرجانات والندوات المناسباتية والتي تعقد باسم الثقافة هنا وهناك ما هي إلا تجسيد للبؤس بعينه. فالمثقف الحقيقي والجدير بهذا اللقب برأيه سكن شرنقته واحتوته عزلته حينما لم يعد يثق في أي حراك ثقافي. والمثقف السوبر ستار الذي يقدمه الإعلام اليوم هو غالبا إنسان غير مهموم لا تشغله إلا المنافع التي سيجنيها من خلال تسيّده على المشهد الثقافي
وأعتقد أن في الجواب فضيحتنا الكبرى، إذ يمكنني الجزم أننا لا نملك روائيين حقيقيين وبمعنى الكلمة أو ما نملكه لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، وفيما يتعلق بعمله المقبل يقول: “رهاني هو الرواية، ولهذا فأي مشروع جديد سيكون في هذا الباب. أنا الآن بصدد التحضير لعمل جديد ومختلف يرتكز أيضا على التجريب ويعالج قضية تهمّ الإنسان العربي. وهو يقترب من السياسة ويجسّد علاقة القائد بعموم الشعب والعكس بالعكس. أملي فقط أن أنتهي منه على الشكل الذي أرجوه”.

التعليقات معطلة