بقلم/ رحيم شامخ
لم تمض الا ساعات قليلة على مشاركة ممثل السعودية في مظاهرة باريس الداعية الى التنديد بالإرهاب والدفاع عن حرية التعبير حتى انتشرت كالنار في الهشيم لقطات فيديو تصور جلد المدون والناشط الليبرالي السعودي رائف بدوي على يد الشرطة السعودية امام احد المساجد
في جدة وعلى مشهد من الناس مشاهد الجلد المقززة اثارت موجة عاتية من الغضب والاستنكار العالمي صدرت من مختلف الدول بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية اقرب أصدقاء المملكة، فضلا عن الاتحاد الأوربي والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والمنظمات الحقوقية العربية والدولية. وطافت مظاهرات كبيرة شوارع المدن الغربية ونظمت الاعتصامات من منظمات المجتمع المدني امام السفارات السعودية في الخارج للمطالبة بإيقاف هذه الاحكام الجائرة.
وكان رائف بدوي وهو من مواليد 1984 واب لثلاثة أطفال أسس سنة 2006 موقعا على شبكة الانترنيت باسم الشبكة الليبرالية السعودية الحرة اعتاد على توجيه الانتقادات للمؤسسة الدينية السعودية ممثلة في هيئة كبار العلماء ودعا الى حل هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاكمة رئيسها.
وقد اعتقل رائف على يد السلطات السعودية في حزيران 2012 وحكم عليه ابتدائيا في تموز سنة 2013 بالسجن سبع سنوات و 600 جلدة ثم عدل قرار الحكم في أيار 2014 الى السجن عشر سنوات و 1000 جلدة وغرامة مليون ريال سعودي. وقد تم يوم الجمعة السابقة تنفيذ اول 50 جلدة من الحكم الصادر على ان يستمر التنفيذ بالمعدل نفسه كل جمعة بعد الصلاة الى استنفاد الحكم. لكن السلطات اجلت التنفيذ الجمعة الماضية لاسباب طبية وفقا لما أعلنته زوجة رائف بدوي التي تعيش مع اطفالها كلاجئين في كندا، وهذا دليل على قساوة هذا النوع من الاحكام. وليس من الواضح فيما اذا كانت السعودية ستستمر بتنفيذ الحكم الصادر بحق بدوي ام ترضخ وتتراجع امام موجات التنديد والاستنكار العالمي الامر الذي من شانه ان يثير استياء الفئة المتشددة من رجال الدين السعوديين والتي تحاول العائلة المالكة استرضاءها.
وكانت السلطات السعودية قد اعتقلت في شهر تشرين الثاني الماضي المحامية والناشطة سعاد الشمري شريكة رائف بدوي في تأسيس الشبكة الليبرالية الحرة والمدافعة عن حقوق المراة السعودية ضد الانتهاكات التي يمارسها رجال الدين السعوديين بحقها.
وتعيد قضية جلد رائف بدوي ملف حقوق الانسان في المملكة العربية السعودية الى واجهة الاهتمام العالمي بعد ان لم تفلح كل بيانات الشجب والادانة والاستنكار التي ادمنت على إصدارها منظمات حقوق الانسان العالمية في ثني المملكة عن المضي قدما في انتهاكها المستمر والممنهج لابسط حقوق الانسان وتقييدها للحريات والتنكيل بالمعارضين والاعتقالات التعسفية ضد المواطنين. علما ان السعودية هي نفسها عضو في مجلس حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة.
ومن اهم هذه المؤشرات على هذه الانتهاكات الصارخة اعتقال رجل الدين الشيعي الشيخ نمر النمر والحكم عليه بالاعدام لاسباب تعود الى حرية التعبير عن الراي أيضا. وذلك بسبب دعواته المستمرة الى الاحتجاج والتظاهر السلمي ضد الممارسات التعسفية وانتهاكات حقوق الانسان في المملكة، ورفضه لاستبداد العائلة المالكة واستئثارها بالسلطة ودعوته الى الإصلاح السياسي والافراج عن معتقلي الراي والسماح بالحريات المدنية وممارسة الشعائر ورفضه للتمييز الاجتماعي والديني وخصوصا الممارسات التعسفية المستمرة ضد المواطنين الشيعة والحرمان والاقصاء الذي يتعرضون له بشكل دائم.ويتصدر الظلم والاجحاف والتعسف الذي تتعرض له المراة السعودية واجهة اهتمام وسائل الاعلام العالمية ومنظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني في العالم التي ركزت في الفترة الأخيرة على قضية منع المراة السعودية من قيادة السيارات واعتقال النساء اللائي حاولن انتهاك الحظر المفروض عليهن، حتى وصل الامر الى عرض احدى النساء التي اعتقلت بسبب قيادتها لسيارتها على احدى المحاكم المختصة بالنظر في شؤون الإرهاب!
والانتهاكات التي تتعرض لها المراة السعودية هي الأسوأ على مستوى العالم، ابتداء من منعها من الخروج بمفردها الى التمييز ضدها في العمل وليس انتهاء باجبار الفتيات القاصرات على الزواج.
ان الكثير من الممارسات البشعة التي يمارسها تنظيم داعش في المناطق التي استولى في العراق وسوريا والتي يدينها العالم تتم ممارستها بشكل منظم وعلى الملا في المملكة العربية السعودية ومنها قطع الرؤوس والجلد. فقد بلغ عدد من تم قطع رؤوسهم بالسيف سنة 2014 وحدها وحسب الاحصائيات الرسمية 87 حالة.
لكن المثل الأبرز على الانتهاك اليومي المنهج لحقوق الانسان في السعودية يبقى هو ما يسمى بهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي هي مؤسسة دينية سعودية تدار من قبل كبار رجال الدين في المملكة وتعتمد على نوع من الشرطة الدينية يعرف افرادها بالمطاوعة تقوم بمتابعة يومية وتفصيلية ودائمة لاي تصرف او سلوك كبيرا كان او صغيرا يصدر من الناس المواطنين منهم والمقيمين على ارض المملكة. ويقوم هؤلاء المطاوعة في اغلب الأحيان بالرد وتوجيه العقوبة مباشرة ومن خلال الاجتهادات الشخصية كالجلد والضرب والشتم ضد أي سلوك يعتبرونه خارجا على الأعراف السائدة في المملكة دون الرجوع الى المحاكم او الهيئات التحقيقية. ومن امثلة الممارسات التي يركز عليها هؤلاء المطاوعة الملابس والازياء والاختلاط بين المراة والرجل وخروج المراة دون محرم والمناسبات الاجتماعية وغيرها من التصرفات الشخصية.ان تسليط الضوء على ملف حقوق الانسان في السعودية بتاثير قضية جلد رائف بدوي يجب ان يكون مناسبة لمساءلة الدول الكبرى وخاصة الدول الغربية الصديقة للمملكة وبالخصوص الولايات المتحدة الامريكية لصمتها المستمر عن هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان التي هي ممارسات منظمة وممنهجة تستند الى تشريعات وقوانين وتعليمات صادرة من السلطات الرسمية في المملكة وليست ممارسات معزولة او تصرفات عارضة او اجتهادات فردية. ان اصدار القوانين الأخيرة الخاصة بمكافحة الإرهاب وبالخصوص منه ما يتعلق باستخدام الوسائل الالكترونية والانترنيت لهو احد الأمثلة الكثيرة على توفير الغطاء القانوني والتشريعي للانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان في المملكة. فهذا القانون الأخير يفرض عقوبات صارمة تصل الى السجن مددا طويلة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل الإعلامية ممن يجرؤون على المطالبة بالإصلاحات او توجيه النقد الى السلطات السعودية السياسية والدينية.ان صمت الدول الغربية الصديقة للمملكة على هذه الممارسات اللانسانية حفاظا على مصالحها الاقتصادية ومن أهمها النفط هو الذي يشجعها على التمادي في هذه الممارسات وضربها عرض الحائط للمناشدات المستمرة من منظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني. وتقع على هذه الدول المسؤولية الأخلاقية الكاملة في ردع النظام السعودي والضغط عليه للكف عن هذه الممارسات التي تحرمها الشرائع الدينية وقوانين حقوق الانسان التي تتبناها الأمم المتحدة التي تعتبر السعودية احد أعضاءها والموقعين على ميثاقها.

