تميم عاصي
أطول حرب في التاريخ الأميركي انتهت. وفي احتفال صغير وهادئ حضره عشرات الأفغان وعدد من المسؤولين الدوليين، أنزلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو علم القوات الدولية «إيساف» واستبدلته بعلم «عملية الدعم الدائم « الذي يرمي إلى دعم وتدريب القوات الأفغانية في حربها ضد الإرهاب وطالبان ما بعد 2014. ووصف الناطق باسم طالبان طي مهمة «الناتو» و»إيساف» بالهزيمة. ولكن ماذا حققت أطول حرب أميركية لأفغانستان، وإلى أين يتجه الأفغان في غياب الأمن وانهيار الاقتصاد وعدم الاستقرار السياسي؟
لا شك في أن أفغانستان اليوم في وضع أفضل من ناحية المستوى المعيشي مما كانت عليه في عهد نظام طالبان. ولكن البلد هذا يواجه خطر الانقسام. وارتادت ملايين الفتيات المدارس، وقصد مئات آلاف الأفغان المعاهد العليا للتعليم. وانتخب الأفغان حكومة وبرلماناً ودارت عجلة القضاء وبرز مجتمع مدني. ودور المرأة في المجتمع صار أكبر. وفتحت أفغانستان سفارات لها في أكثر من 140 دولة، وخرجت من العزلة ورفعت عنها العقوبات.
وبلغ النمو الاقتصادي الأفغاني 9.5 في سنوات العقد المنصرم، وارتفع دخل الفرد فيها من 120 دولاراً إلى640 دولاراً اليوم. وعملتها قوية. وتمكنت من الحد من الفقر من طريق استخدام ملايين الدولارات من المساعدات الدولية. وعلى رغم هذه التطورات، انزلقت أفغانستان إلى دوامة اضطراب نفخ فيها عدد من العوامل، منها: انسحاب قوات الناتو والقوات الأميركية وتأجيل الانتخابات وانخفاض معدل النمو الاقتصادي وتفاقم الاضطرابات، وتعاظم الحرب بالوكالة بين دول الجوار على الأرض الأفغانية وانقسام الطبقة العليا وفسادها، وعجزها عن التوصل إلى حل توافقي يضمن دوران عجلة البلاد. ويجب أن يتصدر أولويات رجال الدولة الأفغانية والسياسيين إرساء الاستقرار الأمني الداخلي وحماية وحدة البلاد. ولن يكترث المجتمع الدولي ودول الجوار بأفغانستان منقسمة وفقيرة ومجزأة. وحري بالحكومة الأفغانية الجديدة أن تسعى إلى إجماع وطني في مجلس الـ «لويا جركا» لشن حرب على الإرهاب، ودعم السلام والاستقرار والنمو الاقتصادي .
ومن غير إجماع وطني على هذه النقاط الثلاث، يترسخ الانقسام الحالي في البلاد. وآن أوان أن تسمو النخب الأفغانية عن مصالحها الخاصة في التنافس على السلطة والمال أو الخلافات العرقية وإلا أطيحت وصارت تحت حكم نظام يشبه النظام السابق، أي نظام «طالبان».
وعلى المستوى الدولي، حري بأفغانستان أن تظهر على أنها مستقلة يعول عليها في الحرب على الإرهاب والتطرف مثل غيرها من الدول التي تقدم أميركا مساعدات عسكرية واقتصادية لها لقاء المساهمة في الحرب على الإرهاب.
وعلى الدولة الأفغانية أن تختار طريقاً يفضي إلى المسرح الدولي من هذه الطرق الثلاث:
– إبرام شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في المنطقة. ولكن إثر توقيع الرئيس الأفغاني الجديد على الاتفاق الأمني مع واشنطن ومع حلف الاطلسي، بقيت الحال الأمنية في البلاد متردية ومضطربة. وإذا كان لأفغانستان أن تبقى شريكة استراتيجية لأميركا والناتو، فإن على الفريقين المبادرة إلى خطوات حاسمة من أجل انتشال البلاد من الاضطراب. وزادت القوى المتصارعة إقليمياً وتيرة هجماتها في أفغانستان، ولن تعدل عن هذا النهج إلا إذا اتخذت قرارات أمنية واقتصادية حاسمة لمعالجة جذور الإرهاب والعنف.- مستقبل أفغانستان مع المنطقة والعالم الإسلامي: في وسع أفغانستان أن تربطها علاقات ديبلوماسية قوية بدول المنطقة على حساب شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي. ويترتب على هذا الخيار أن تطلب السلام مقابل الاعتراف بخط ديوراند كعمق باكستاني، وأن تضمن مصالح الهند في أفغانستان، وأن تمنع لجوء المتطرفين من روسيا ومن دول وسط آسيا إليها، وموازنة العلاقة والمصالح مع كل من إيران والمملكة العربية السعودية. ولم تقدم دول الجوار مساعدات كبيرة إلى الهند، في ما خلا الهند وأميركا وحلفائها في الأربعة عشر عاماً الماضي .- التحالف مع الصين والهند وروسيا: يرى عدد من خبراء الاستراتيجيا والعلاقات الدولية أن مستقبل أفغانستان مرتبط بهذه الدول الإقليمية القوية. وحري بهذه الدول أن تجمع على معالجة المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها أفغانستان بعد 2014. لكن مصالح هذه الدول متباينة في أفغانستان، التي هي مصدر اضطرابات تهز روسيا والصين والهند. والتنسيق الديبلوماسي في الكواليس بين هذه الدول حول أفغانستان ومستقبلها، لا يعفيها من منحه مساعدات عسكرية واقتصادية وسياسية.ويلف الغموض المستقبل السياسي والاقتصادي لأفغانستان. ويتهدد المستقبل هذا العجز في الموازنة، والاعتماد العسكري على الناتو وأميركا، والنخبة الفاسدة المنقسمة، وارتفاع مستوى الفساد المالي والإداري، وتزايد الشعور بغياب الأمن وتعاظم قوة طالبان. ولا شك في أن أفغانستان تحتاج، في السنوات القادمة، إلى مساعدات دولية وإقليمية عسكرية واقتصادية وسياسية ليشتد عودها. وكما على المجتمع الدولي مساعدتها، حري بأفغانستان إثبات أنها جديرة بالشراكة.

