التحليل السياسي /غانم عريبي
قرأتُ تصريحاً لنيجرفان بارزاني يقول فيه ان الحكومة العراقية ستوزع رواتب الموظفين كل 40 يوماً في سخرية لم تكن معهودة في كلام الرجل ولم تكن معروفة في شخصيته ما يدل على حجم الاستنكار والاستهجان والاعتراض الكبير في الوضع الكردي ازاء الوضع العربي في العراق خصوصا وضع الحكومة!.
لابد ان يعرف الجميع انني ككاتب عربي كنت من اشد المدافعين عن القضية الوطنية الكردية وعشت وعاش التضامن مع ماساة شعبنا في شمال العراق معي وربما كنت الاعلامي العربي العراقي الاول الذي اذاع على العالم من طهران عام 1986 نبأ الجريمة المروعة التي اقدم النظام الدكتاتوري على ارتكابها في حلبجة وراح ضحيتها اكثر من 5 الاف شهيد واكثر من 15 الف جريح.
عشيتها كنت الكردي الاول من موقع العروبة العراقية وعشت سنوات وانا احمل مع بقية اخواني في الاحزاب الكردية ومكاتبها في العاصمة السورية دمشق هم العمل القومي الكردي وهم العمل الوطني العراقي ورحم الله اخانا الاعلامي صلاح برواري مسؤول الاعلام في الحزب الديموقراطي في سوريا كاتبا كرديا نهض بهم امته وحمل هم القضية العراقية برمتها معه حتى وافاه الاجل في الغربة.
هذا التاريخ المضمخ بالفجيعة والدم والتضحيات ومسيرات الهجرة المليونية للشعب الكردي الى تركيا ايام الكيمياوي ، وكتائب المجاهدين العراقيين وهي تخترق حلبجة وسيد صادق وتنفذ العمليات الجهادية ضد اوكار المخابرات واجهزة الامن العراقية السابقة، كان لا بد من احترامه قبل ان نسخر من دفع الرواتب بسبب عدم الاتفاق الاخير بين الحكومة وحكومة الاقليم..على بارزاني ان يتذكر جيدا كيف اتى الى مكتب حزب الدعوة الاسلامية في طهران عام 1980 والتقى الشهيد القائد عز الدين سليم وكيف طلب منه مساعدة مالية لاعانة عوائل كردية ودعم العمل الثوري في كردستان!.
في اعوام الثورة في الثمانينيات حيث كانت الثورة الايرانية تدعم المعارضة العراقية بالمال والسلاح والحرب في البداية كانت غالبية الاحزاب الكردية على علاقة ممتازة بالاحزاب الاسلامية العراقية وكانوا يتمنون ان نلتقي ونتفق على صيغة للعمل السياسي والعسكري بسبب العزلة والعوز والفاقة التي كانت تشعر فيها الاحزاب الكردية بعد قمع الحركة الثورية الكردية في زمن الشاه عام 1970 والاتفاق الذي جرى في العام 1975 بين الشاه وصدام اعتكفت فيه بعد ذلك العائلة الكردية في مدينة كرج الايرانية وعاش مسعود بارزاني واخوته وعوائلهم في الرعاية الشاهنشاهية.. على «قوت لايموت».
في ذلك الوقت تحركت المعارضة الاسلامية العراقية على الاحزاب الكردية والتقت التوجهات ونال الكورد في زمن الثورة الاسلامية ومن خلال «تزكية» الاطراف الاسلامية العراقية وعلمائها واحزايها الاسلامية الكبيرة الاهتمام والدعم الايراني ولم يكن مقدرا الى اليوم واكررها.. الى اليوم لمسعود البارزاني ان يكون اقليما وشعبا وحدودا واجهزة امنية وسطوة مالية كبيرة بل لم يكن الكرد يحظون بهذه الاهمية الستراتيجية في العملية السياسية لولا محوران.. نضال الشعب الكردي وموقع الكرد في العملية السياسية من خلال الاتفاقات والمعاهدات والعمل الوطني المشترك مع الاحزاب الاسلامية الشيعية وايران.
قبل اعوام اطلعت على وثيقة هي في الحقيقة رسالة كان كتبها احد قادة الحركة الوطنية الكردية وحملها مفكر عراقي قومي الى الكويت يطلب فيها هذا القيادي الكبير مالا من دولة الكويت وقد خطت الوثيقة بلسان عربي مبين وخط عربي يعجز العربي عن خطه في رسالة شخصية!.
اقول التالي بعد هذا الرجوع المؤقت الى شيء من التاريخ والتاريخ المشترك:
لماذا هذه السخرية وبالامس كانت الاحزاب الكردية تتسلم من احزابنا العراقية اموالا لاعانة عوائلها وخلايا العمل الثوري ثم اين المشكلة حين تعطي الحكومة العراقية وبسبب مشكلات كبيرة نواجهها في اطار تصدير النفط والمشكلات التي يخلقها الاخوة الكرد في هذا المجال رواتب موظفيها كل 40 يوما؟.
اليس افضل من «الماكو» كما جرى مع موظفي الاحزاب الكردية في الاقليم اذ امتنعت الحكومة العراقية في زمن المالكي قطع رواتب موظفي الاقليم بسبب نفس المشكلة التي جرى حوار مستفيض بسببها امس في بغداد وطار الاخ نجيرفان بارزاني بعد يوم من المباحثات الى اربيل عائدا بخفي حنين؟!. المعلومات الواردة من الاجتماع المشترك في بغداد ان الجاب الكردي «يرغب» ان يحاسب الحكومة العراقية على اموال الكميات المصدرة كل ثلاثة اشهر فيما الحكومة العراقية اصرت بالاجماع على ان يكون الحساب شهريا وهو امر منطقي وواقعي ولو كان بارزاني نفسه رئيس الحكومة العراقية في بغداد لكان تبنى هذا الراي ومع ذلك رفض الطرف الكردي احتساب الاموال كل شهر لكي يضمن وجود اموال في البنوك الكردية لثلاثة اشهر اخرى او اكثر فيما لوحدثت ازمة مع الحكومة العراقية شبيهة بازمتهم مع حكومة المالكي!.
ساعد الله د. حيدر العبادي على بارزاني والمفاوضين الكورد في الحقيقة.. فهم متشددون مع المالكي ويتحدثون كثيرا عن حق تقرير المصير اذا ماخلت البنوك الكردية من الاموال ولينون ومعتدلون مع العبادي ولكنهم لايتفقون مع الحكومة العراقية الا وفق مزاجهم وبما يلبي حاجتهم المالية والاقتصادية وليذهب العراقيون الاخرون الى الجحيم!.
يبدو ان بارزاني يحن كثيرا الى ايام القحط والازمات وتحشيد القوات على زمار والتهديد بتحريك الدبابات من بغداد حيث تصل الى اربيل كما كان يجري في السابق ولايحن كما هو منطقي وواقعي وماهو معروف عنه دائما العودة الى طاولة الحوار الوطني والعمل بماينسجم والتاريخ الوطني والنضال القومي والوطني المشترك معنا. اذكر بارزاني ان مايفعله مع العبادي مخالف لما اعتاد منطق العملية الثورية الكردية في زمن الملا بارزاني الاب ان يكون وعليه العودة الى تاريخ الملا قبل العودة الى طاولة الحوار الوطني الجاد مع اخوته في بغداد.
في المعلومات المؤكدة التي يجب على بارزاني ان يحملها على محمل الجد ان داعش تحضر لهجوم واسع النطاق على اربيل بهدف كسر الطوق العسكري والامني المضروب عليها في المناطق المتاخمة والسؤال المنطقي ماذا لو سخر بارزاني من عملية داعش المتوقعة ولم يطلب المساعدة العسكرية من بغداد كما كان يطلب المساعدة المالية من الشهيد عزالدين سليم في طهران؟!.

