Pdf copy 1

محمد الكاظم
هناك لعنة انتقلت من اروقة السياسة الى فضاء الإعلام، وهي لعنة المبالغة في التوظيف السياسي، ولم يستطع الإعلام العراقي التخلص منها، وأنا لا اتحدث عن زملائنا الإعلاميين والكتّاب ولا عن المؤسسات بقدر ما اتحدث عن المنهجيات والبيئة التي يتحرك فيها إعلامنا، فالمتابع للإعلام المصري منذ نشأته يجد أنه قد يختلف في امور كثيرة تبعا لأمزجة وإيديولوجيا الممولين ورغباتهم السياسية، لكن حين يصل الامر الى الأمن الوطني او السيادة الوطنية او المواطن المصري، تجد كل الفضائيات المصرية والصحف والدوريات تتبارى في الدفاع عن البلد وتوسيع دائرة المشتركات حتى يشعر المتابع ان الإعلام المصري وقت الازمات تتحكم به قناعة واحدة تصنع الرأي العام الذي تحتاجه أي مرحلة وأي عقبة، كما ساهمت المدرسة المصرية في الإعلام في تجسير الهوة بين الدولة كمفهوم وبين النزعات الشعبية والتقاطعات السياسة بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم الذي صار الإعلام يشارك في صنعه في مرحلة ما بعد مبارك. اما الإعلام الخليجي فهو يدير ملفات اقليمية هامة اعتمادا على ما يتمتع به من دعم سياسي ومالي، ونجح في ذلك الى حد كبير نتيجة لاستقطابه خيرة العقول والتقنيات. ولا يمكن لنا إلا الاعتراف بتأثير الإعلام الخليجي وخصوصا الإعلام الموجه للخارج الذي تحول الى اعلام صانع للسياسات الاقليمية. 
أما إعلامنا العراقي فوقع في الاخطاء التي وقعت فيها المدرسة الإعلامية اللبنانية للأسف الشديد إلا في استثناءات قليلة، فهناك وسائل إعلام مخصصة لشتم سياسي ما، وأخرى مخصصة لتلميع صورة سياسي آخر، حتى خارج الاطر المهنية للإعلام الفئوي والحزبي، وتشيع في بعض وسائل اعلامنا مظاهر عدم الحرفية والصياغات الفجة التي توحي بالكثير من الارتجال والصبيانية، كل هذا عائد في تقديري لعدة اسباب منها شحنة السياسة العالية في مجتمعنا ما ساهم في تغييب الفعاليات الحياتية الاخرى التي يتيح حراكها وسجالاتها مساحة اعلامية جديدة يمكن اضافتها الى السجال السياسي، فلا يوجد حوار في الاقتصاد ولا في الصناعة او السياحة او الزراعة او الثقافة او غيرها. ومن هذه الاسباب ان الإعلام اصبح الوسيلة السياسية الفعالة الوحيدة للتواصل مع الجمهور بعد عجز العقل السياسي العراقي عن ابتداع وسائل تواصل جديدة للتواصل، لذلك تلاشى عنصر الجذب وغابت لذة “الفرجة” في اعلامنا وهي عنصر تعتمد عليه اغلب المؤسسات الإعلامية الكبيرة لترويج بضاعتها. وهناك سبب آخر يتعلق بضمور سوق الاعلان الذي تتيح عائداته امام الوسيلة الإعلامية فرصة للتمتع باستقلالها المالي والسياسي اللذين يقودان الى الاستقلال في السياسيات التحريرية وبالتالي الحصول على انتشار اكبر وقدرات مالية اكبر لتمويل القصص والبرامج التي تحتاجها وسائل الإعلام لتزيد من قدراتها التنافسية فبقيت الكثير من وسائل اعلامنا عالة على مموليها وخاضعة لاشتراطاتهم في الوقت نفسه. كل هذا وغيره صنع تخندقا في التلقي الإعلامي بمواجهة فئوية وسائل الإعلام. واذا تجاهلتُ عن عمد التخندق الإعلامي الذي بني على اساس سياسي، فانني لا استطيع تجاهل تخندق التعامل مع المعركة، فحتى في معركة المصير العراقي مع ارهابيي “داعش” يغيب في اغلب الاحيان الخطاب الذكي الذي يساهم في خلق مناخات النصر إلا في حدود ضيقة، بمقابل خطاب عاطفي يقترب من الغرائزية متناسين ان الإعلام وجه من وجوه التأثير في الآخر العدو، والآخر الحليف، والآخر الداعم والمساند والمتعاطف. سأطرح مثالا صغيرا من الخطأ تجاوزه، فنحن نجد أن هناك تركيزا من كل وسيلة اعلام مرتبطة بأحد فصائل الحشد الشعبي على مقاتلي وقادة ذلك الفصيل، دون ان ننجح في صنع حالة عراقية واحدة تتعامل مع الحدث كحدث عراقي وليس حدثا يخص هذا الفصيل او ذاك، يقابل ذلك غياب لحضور الجيش وتشكيلات وزارة الداخلية التي تمثل الدولة العراقية، متناسين ان الدم العراقي هو دم واحد والتحدي هو تحد واحد، فـ”داعش” لا يفرق بين مقاتلي فصائل الحشد الشعبي او الجيش او المدنيين العزل. في الوقت نفسه لا تزال مؤسسات اعلامية اخرى تستثمر في الفتنة ولغة الخراب والحنين الى الماضي الاسود نتيجة لوقوعها اسيرة لما اعتادت عليه من مشاكسة وتناغم مع منهجية عرقلة المشروع العراقي والعبث بعقل العراقيين وأمنهم الوطني دون ان تشعر بأن القضاء على الظاهرة الداعشية مسؤولية يجب ان نتحملها جميعا عبر توسيع دائرة المشتركات الإعلامية ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، بغض النظر عن توجهاتنا السياسية وتفاصيل سياساتنا التحريرية ورغبات من يدفع رواتبنا، فتنظيم مغيب العقل مثل تنظيم “داعش” يكفر غالبية سكان الكرة الارضية ليست لديه حدود فاصلة بين اعلام مناهض له، واعلام يجامله على حياء، ولا يفرق بين سياسي يحشد الجهد للقضاء على عناصره، وبين سياسي آخر يبرر له جرائمه ويمنحه الغطاء عبر توجيه النقد وإثارة اللغط حول القوات المسلحة التي تسعى لقهر هذا التنظيم ولا تحتاج لشيء غير الوقوف وراءها ودعمها كي لا يشعر المقاتل انه لوحده في ساحة المعركة.

التعليقات معطلة