Pdf copy 1

دعاء جلال

عندما كُنا صِغاراً وكلمة «الموت» تُذكر أمامنا علي فترات متباعدة جداً، لم نكن نحزن فهو بأمر ليس سيئاً، لأننا نعرف كما لقنونا الكبار بأن من يمت «….بيروح عند ربنا في مكان حلو….»
وعندما تخطينا مرحلة الطفولة لم نكن أبداً نري»… الموت راحة من الدنيا…»، فالدنيا في نظرنا جميلة ولايزال أمامنا الطريق مملوء بالطموح والآمال والأحلام، ولكننا كنا نسمعها تُقال عن أشخاص تقدم بهم العمر وأصبحوا في أرذله، يعانون من أمراض الشيخوخة ويشتكون من التعب والإرهاق بعد مشوار طويل من الكفاح والعمل والنجاح والفشل، تكوين أسرة وحِمل مسئولية بيت وأولاد، خاضوا معارك مع الحياة، إنتصرت عليهم أحياناً وتغلبوا عليها أحياناً أخري، فكل تجعيدة من تجعيدات وجههم وأيديهم ترسم لحظات فرح وحزن في لوحة حياتهم.     
ولكن….كيف ينظر شباب هذا الزمن إلي الموت، والذي أصبح كثيراً جداً وخاصة مع الشباب؟، دار في ذهني هذا التساؤل عندما فوجئت بفتاة في حوالي السادسة عشر من عمرها تقول «مات وارتاح…»، وهي تبكي أحد أصدقائها الذي توفي، وبعد أن أفقت من وقع هذه العبارة علي أذني، سألتها ماهي الراحة لشاب لايزال في بداية حياته؟، فقالت «كان هايعيش يقرأ مواد مالها أي لزمة، وبعدين يتخرج ويحط شهادته في اطار وياخد مصروف من أهله لغاية مايلاقي واسطة تعينه، وإذا…..الخ»، وأخذت تسرد لي كم رهيب من المشكلات والعوائق التي تقابل الشباب!!! وحاولت أن أزيح من عقلها هذه النظرة البائسة، وأوضحت لها أن كل شخص لابد أن يجتهد حتي يصل لهدفه، والحياة لابد أن يوجد فيها الفشل حتي نشعر بطعم النجاح، والشاب عندما يتخرج لا يجب عليه أن ينتظر «واسطة» حتي يتعين، وذكرت لها شباب عُينوا في أماكن جيدة ، ولم يكن لديهم أي واسطة سوي إجتهادهم وإجتيازهم جميع الإختبارات بمهارة، فأجابني شاب آخر يجلس معنا بأن من كل عشر أشخاص نجد حالة واحدة فقط من هؤلاء، ولكن معظم الشباب يتخرجون ويجلسون علي المقاهي أو يعملون في مجالات لا تناسب شهادتهم بعد تعبهم وإجتهادهم، وعندما يفقدون الأمل يسافرون للعمل في الخارج، وأنه عاش هذه المأساة مع شقيقه الذي تخرج بتفوق وكان من المفترض أن يتم تعيينه كمعيد، ولكنهم اختاروا الذي يليه في الترتيب لأنه نجل دكتور في الكلية، وأصيب بالإحباط وسافر للعمل في الخارج وهو الأن ناجح ومتقدم في عمله هناك.  كيف وصل الحال بشبابنا لهذه الدرجة من الإحباط واليأس وإنعدام الأمل في وجود أي شعاع مضئ يسيرون خلفه؟ كيف في مثل هذا العمر ينظرون للحياة بهذه النظرة التشاؤمية ولا يثقون بأنهم سيحصدون ثمار تعبهم وإجتهادهم؟هل نحن السبب في ما وصل إليه ذلك الجيل من هذا الشعور المخيف؟ أم هذا الإحساس تسرب بداخلهم بسبب نماذج يرونها أمامهم؟كيف لجيل من المفترض أنه سيقوم ببناء بلد أن يعطي وهو في هذه الحالة من إنعدام الإحساس بالأمل والأمان؟ كيف نعيدهم مرة أخري شباباً يملؤهم الطموح والأحلام؟ وليسوا شباباً شاخوا…..قبل الآوان بآوان.  

التعليقات معطلة