علي حسن الفواز
يبدو أن حروب السياسة لم تعد هي الحروب المفضلة عند الدول الكبرى، إذ بات العقل الستراتيجي والمخابراتي يُخضعها الى مراجعات دقيقة، والى عمليات فحص وحساب جدوى مابين المقدمات والنتائج.البحث عن حروب أكثر (طزاجة) و(فتنة) وأكثر تأثيرا على معنويات العدو صارت هي الهاجس الإجرائي في سياق المواجهات والصراعات، حتى باتت لعبة الحرب والسلام شفرات ومصطلحات لعمل مؤسسي كبير من الصعب إغفاله وتهميشه.وكل الدول التي تتورط اليوم بالحروب المباشرة – مهما كانت مبرراتها- فانها ستجد نفسها امام فوبيا النتائج والمعطيات، وامام وهم تحقيق النصر الكامل، وأمام جماعات عصابية من العسير السيطرة عليها وإدماجها في منظومات الدول والمجتمعات والمؤسسات الحقوقية والمدنية.الحرب مع الآخرين ستظل حرب حسابات، وبعيدا عن أن تكون حرب إيديولوجيات، لان الكثير من الإيديولوجيات خضعت الى عمليات إخصاء ممنهجة قادتها للإندماج في مؤسسات ودول وبرامج، وما عادت عنصر تثوير عميق في تحريك الصراعات الكبرى، وكثيرا ما وضعها البعض من باحثي سسيولوجيا الحروب في خانة إرث (السرديات الكبرى) تلك التي انتهى وجودها مع نهاية الحرب الباردة وتفكك دول الشرق السوفيتي، ومع موت (الشعارات القومية الكبرى) للأحزاب القومية المعروفة.
مانراه اليوم، ومع صعود سرديات “داعش” العنفية هو استعادة واهمة لشعارات صناعة الدولة الإسلامية الكبرى، والتي تؤسس لنفسها خطابا ومقاربات تقوم على فكرة التبشير بقوة السلاح، وبالفقهيات المغلقة، مثلما تقوم على فكرة البيعة، وهي جزء من منظومة العلاقة العصابية للدولة التي أنهت وجودها علمانية كمال أتاتورك، رغم وجود بعض بقاياها في ممالك الخليج المهددة أصلا بتعقيدات وصراعات سياسية وأثنية.
سرديات الجماعة… أوهام الدولة
التبشير بوجود هذه الدولة يعكس وجود مشكلات عميقة في بنيات الدول النمطية التي جاءت مابعد الحرب العالمية الثانية، والذي يرتبط بوجود أزمات حقوقية وأخلاقية، مثلما يرتبط بهشاشة منظومات الحرية والتعليم والتنمية والمعرفة والخدمات والسلم المدني وآليات التعايش بين المكونات، وهذا بطبيعة الحال يسهم في تكريس مفهوم معقد للحاكمية، ليس بالضرورة كما تحدث عنه المودوي أو سيد قطب، لكنه الأقرب الى الحكم الذي تقوده جماعات إيديولوجية أو عسكرية أو حتى قبلية..لكن هذا لايعني غياب التوظيف القصدي لما هو مطروح في بعض فقهيات الخطاب الاسلاموي لمفهوم الحاكمية، والذي وظفه في مراحل معينة السادات وحسني مبارك ومحمد مرسي، فضلا عن ماهو موجود أصلا في مرجعيات الحكم لدول الخليج.ما تحاول أن تحييه “داعش” هو ذات الفكرة التي تقوم على طروحات الحاكمية للمودوي، والتي تضع الحكم بوصفه يقينا، وتضع المحكوم بوصفه تابعا، وبعيدا عن مايمكن انتشرعنه المؤسسات والأفكار الحقوقية المدنية.وأخطر ما في هذه المحاولة هو تسييس خطابها وتعنيف توجهاتها، رغم استثمارها من قبل بعض الدول لكي تكون جزءا من الصراع الدولي والإقليمي بدءا من الدوافع التي تم توظيفها بعد احتلال الاتحاد السوفيتي السابق لأفغانستان، وصولا الى ما يمكن ربطه بأحداث العراق بعد سنة 2003 وكذلك أحداث الربيع العربي، لاسيما في سوريا وليبيا واليمن.غياب بعض الدول بمعناها السياسي أسهم في توليد سرديات مضادة لجماعات تصطنع لها أوهاما للدولة وللحاكمية، وهو مايعني توظيف أعلى درجات العنف والقتل والإقصاء للآخرين مقابل تكريس سردية الجماعة، وفرض هويتها الطائفية أو الجماعاتية من منطلق فقه الحكم، وفقه القصد، واستعادة لفكرة الدولة الغائبة التي أسقطها الخروج عن مجرى تاريخ الأمة كما تحددها مخلية سرد الجماعة.
السؤال هنا.. هل تكون “داعش” هي العتبة الافتراضية لقتل الدول المركزية، وصناعة دول الجماعات؟ وهل يعني هذا توريط الفكر الاسلامي في متاهة الصراعات العصابية بعيدا عن التمثل العميق لسيرويات بناء الدولة الجامعة؟
أحسب أن هذين السؤالين سيكونان رهانا على مايمكن أن يتشكل في المستقبل، وما يمكن أن يتمخض من الصراعات الكبرى التي تجتاح المنطقة، لاسيما حرب اليمن، بوصفها رهانا معقدا على قطع طريق نشوء دولة الجماعة.
“داعش”.. الوظيفة العصابية
“داعش” تصنع في السياق نوعا من الإرهاب المركب، إذ يتموضع فيه الرعب والتخويف التاريخي، بقدر ماينسحب منه على ظواهر الانخراط في السياسة والتطرف والإخضاع الجماعاتي..
وهذا بطبيعة الحال يخضع الافكار والاجراءات لتوصيف هذا الارهاب بوصفه تعبيرا عن حالة عصابية، ومثلما يضع الجماعات التي تقف وراءه، وحتى للدول الداعمة أمام لعبة (غياب العقل) من خلال الترويج لسياسات خارجية وداخلية ملتبسة في تعاطيها مع الارهاب، وفي تمويل الجماعات الارهابية التي قد تشكّل خطرا عليها.ما يحدث في المنطقة العربية اليوم يثير الكثير من الأسئلة حول آليات التعاطي مع “داعش”!! بوصفها جماعة إرهابية لها خطاب طائفي محدد، ولها أجندة يختلط فيها السياسي والديني والإجتماعي، فإذا كان البعض يصدّق ماتطرحه “داعش” عن الفهم الطائفي، فهو واهم/ لأن ما تقوم به “داعش” يعمق الشرخ المجتمعي، ويهدد السنة والشيعة وكل أطياف التعدد والتنوع، ومعياره في ذلك الإخضاع والتبعية، ولعل ماحدث في صلاح الدين والانبار والموصل وفي المدن الليبية والسورية واليمنية دليل على ذلك.. وإذا كان البعض الآخر يجد في طروحات “داعش” المهددة للدول والمجتمعات بأنه تعبير عن هيكلية جديدة للسيطرة فأنه واهم ومضلل أيضا، لأن “داعش” جزء من
أجندة تضخم ظاهراتها جهات دولية، ومصالح إقليمية تجد في توظيفها مجالا لحسابات سياسية، ولصراعات تكرس فعل السيطرة والرقابة.الموقف من “داعش” يتطلب توصيفا، مثلما يتطلب وعيا وقراءة مستفيضة لمرجعياتها الفكرية، ولأهدافها السياسية والطائفية، وهو مايعني أن تجد الدولة حاجتها الى تأسيس عميق لمعالجة ما تثيره من أخطار ومشكلات تهدد الأمن المجتمعي، وتهدد الدولة والتعايش.
كما أن مواجهة “داعش” وخطابها الارهابي يفترض وجود قاعدة معلومات، وخارطة طريق، وفعاليات ثقافية ورأي عام وجهد استخباري وأمني وسياسي يتمظهر من خلال مؤسسات، ومن خلال آليات تنسيقية مع قوى المجتمع المدني والديني، والقوى السياسية المعارضة، فضلا عن التنسيق مع قوى إقليمية ودولية، يمكن أن تكون عنصر إسناد ودعم في المواجهة وفي ترصين الجبهة الداخلية، وفي تحقيق الانتصارات الضرورية على هذه القوى المرعبة والمتطرفة.
الإرهاب الداعشي يعكس واقعا ملتبسا، مثلما يعكس أزمة إدارة وتخطيط، إذ أن وجود مثل هذه الجماعة وفي بيئة مثل العراق يعني وجود عوامل خارجية وداخلية تساعد على وجودها، بدءا من أتباع السلطة القديمة، وكذلك الجماعات الطائفية في مناطق معينة، فضلا عن وجود أجندات دولية توظف هذه الجماعة لمصالحها ولسياساتها، لكن بالمقابل أن وجود جماعة “داعش” يعكس أيضا ضعف المعالجات السياسية والأمنية، وكذلك وجود المعالجات الثقافية المضادة لفكرها، والذي يمكنه أن يكون عنصر مواجهة وردع وتعبئة تهمش صناعة الفكر الارهابي لـ”داعش”، بوصفه فكرا إرهابيا يهدد الجميع، ويضع الدول الكبرى أمام حسابات أكثر تعقيدا لسرديات العلاقات الدولية وللمصالح، وأمام بيئات رخوة من اليسير أن تنشأ فيها قوى جديدة متطرفة
وعصابية، يمكن أن تهدد تلك العلاقات والمصالح، وتضعها أمـام توصيف آخر.

