قيس مجيد المولى
حينَ أعلن عن وفاة (بيار أوغلو) للعام 1944 من يوم الأربعاء كانت الساعة تشير الى الرابعة عصراً حينها وكأنها على موعد وقفت سيارة الإسعاف أمام بيت المتوفي في الوقت الذي لم يكن بعد من ضرورة لوجودها ، وكالعادة علا الصراخ ولطمن النسوة وجوههن وشققن البعض من المقربات ثيابَهن ، كانت قرية (أقا جو ) هادئة تماما فالريح نيسانية والأمطار متقطعة والعمال دلفوا الى بيوتهم قبل نصف ساعة على بدء رحلة المتوفي ،
ذهب حاجي أحمد الى مكتب البريد لإرسال برقية الى شقيق المتوفي الأكبر والذي يقطن مدينة ديار بكر وسأله الموظف في دائرة البرق والبريد عن الجملة المختارة لإخبار الشقيق ،قال حاجي أكتب له ،
أكتب:
أصبحت ربطة عنق
بيار أوغلو الحمراء ،
أصبحت في الهواء ،
كان بيار أوغلو قد أوصى بعد نزاعه الأخير مع المرض ويقينه بدنو آجله قبل أن ترحل السحب المتقطعة من السماء قد أوصى أن يُدفن في مقبرة (محمود باشا ) والقريبة من سوق كابكلي جوار صديقه الراحل نغيم سلطان والمتوفي للعام 1939ميلادي أي أن نغيم باشا قد سبقه الى المقبرة بــ سنوات خمس ولذا فقد شم الكثير من روائح الزعفران الأصفر ونام بأمان طوال تلك الفترة وهو يستمع لأمواج البسفور وأصوات العربات التي تمر جوار آيا صوفيا محملة بالبطيخ والرقي واللبن ،كان بيار أوغلو قد قضى الربع الأول من عمره نزيلا متنقلا عبر سجون المحافظات الجنوبية ثم قضى الربع الآخر متنقلاً بين الوسطى والشمالية أي أنه تذوّق الشوربة والصمون الحجري في سجون (ماردين – أورفه- غازي عينتاب – أنقرة – أدنه ..) ،ومن خلال السجن تعلم العديد من المهارات اليدوية لكنه ظل عازفا عنها متيمنا بسلوته الوحيدة مابين قراءة ناظم حكمت الى محاولاته في رصد حياته شعريا ًبعد أن إخترق بعينية من نافذة ظلماء إخترق العالم وتحت مصباح كازٍ ذليلٍ بدءا بداياته الأولى حين كتب :
لقد شرب المسمار
دم الورقة ،
لا ترسلي لي
علبة من البيض الطازج ،
زوجاً من الجوارب الصوفية الدافئة ،
نُقل بيار أوغلو لمثواه الأخير في مقبرة محمود الثاني بعد حضور شقيقه من ديار بكر ووِّسد الى جوار نغيم باشا وتمنى المشيعون أن ينعم بشم المزيد من الزعفران الأصفر وسماع صوت العربات القادمة عبر السفن الشراعية من يلوا والمحملة بالبطيخ والرقي واللّبن وأن يديم الخالق عليه نعمة الغيوم المتقطعة وأصوات اللقالق وهي تقف في أعالي المآذن تسبح لله أن يطعم الفقيد الرحمة والغفران ،
كان أوغلو قد رُصد من قبل أحد افراد الشرطة السرية رصد في مقهى(صو ) وهو يوزع خلسة المنشورات التي تهين الدولة واصفة هذه المنشورات رجال الدولة باللصوص والسراق والقتلة وأعداء الشعب وكان أوغلو ولتوه قد إنتمى الى أحدى الحركات العمالية اليسارية التي هيأت الجماهير للمشاركة بإضراب الشاي وكانت هذه الحركة قد إستلهمت المفاهيم التي تنادي بزوال الرجعية والإقطاع وما أتت به مبادئ الثورة الفرنسية وما بدءا ينادي به المشرعون عن حقوق الإنسان ، ولم يكتف بتلك المنشورات بل بقراءة قصائد ناظم حكمت لجلاس المقاهي ومما كان يقراءه لهم قصائد من (رسائل من السجن الإنفرادي – من معتقل إسطنبول –رسالة الى زوجتي )،
حين خرج الجميع من مقبرة محمود باشا قرأت الزوجة ماكتبَ على شاهدات القبور ، فشاهدة تعود لـ عصمان أحمد كتب عليها :
أنا لا أملك جوادا
ذا سرج مزركش
لأمتطيه ،
وشاهدة أخرى لـ أصيل ترتقال كتب عليها :
يامن تدفع بكلابك الى الأمام
وتقطع طرق الليل
سيأتي دوري ،
وشاهدة أخرى تعود لــ عميق ياخون وقد كتب عليها :
القرد لايأكل
اللالنكي
ولا التمر هند ،
وهكذا الى أن حل الظلام ،راحت تبكي من عينين إمتلأتا بالغيوم السود الماطرة ، وهي تصنع في تلك المقبرة شاهدة لمثواها ولن تضع على شاهدتها إلا تلك الأحرف التي وصلت اليها من سجنه الإنفرادي حين قرأت كلماتها تحت ضوء مصباح كازٍ خافت :
لا في الغد ولا في الأمس
ولا في اليوم
أنا في زنزانتي
غير قادر أن أفعل أيّ شيء
سوى أُحبك ،
قبل أن تغادر المقبرة فجرا سمعته ينادي عربات باعة الرقي والبطيخ واللّبن ، وسمعت صوته ينادي عليها مناداة الريح وراء أمواج البسفور ، ولم تكن هناك رائحة تشير الى الزمان والمكان غير رائحة الزعفران الأصفر وطقطقات مناقير البجع وهي تلتقط صغار الأسماك من الماء وأصوات المضربين في إضراب الشّاي ،

