محمد الكاظم
اهتمت الصحف الخليجية الاسبوع الماضي اهتماما مبالغا فيه بشحنات من ثمار البطيخ – او الرقّي كما ننفرد نحن العراقيون بتسميته – الى اسواق الامارات والسعودية وغيرها، بعد اكتشاف “ثقوب غامضة” في القشرة الخارجية لثمار الرقّي المستوردة، مما أثار مخاوف من أن يكون قد جرى حقنها بـ”مواد ضارة”، وهو الأمر الذي نفت الأجهزة الرسمية في عدد من تلك الدول صحته لاحقا، لكن المخيال الشعبي تحرك بطريقة هائجة، وغذت الصحف تلك المخاوف، وسرعان ما انتشر الخبر ووصل الى الفيس بوك وتويتر، حتى اصبح المتابع لما ينشر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الخليجية يشعر أن اخواننا في الخليج تعرضوا الى غزو فضائي وليس لشحنة رقّي معطوبة.
سأقول لكم ما يلي هامسا توخيا للتأثير الدرامي المطلوب: ان سبب المخاوف الخليجية يكمن في ان ذلك الرقّي كان مستوردا من ايران!!.
الصحف نشرت تصريحات ولقاءات وتحقيقات فنتازية، و”تويتر” ضج بنظرية المؤامرة.
وتبارى المحللون في العزف على وتر التوجس الخليجي عبر الحديث عن الخطر الشيعي، والامبراطورية الصفوية، وهيمنة الولي الفقيه على العراق، الى آخر هذا الكلام الفارغ، حتى وصل الامر الى نائب قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان الذي جعلتنا تصريحاته خلال السنوات الاخيرة لا نشعر بغياب العقيد معمر القذافي خصوصا تصريحاته التي قال فيها “ان النية مبيتة لتقسيم العراق إلى ثلاث دول كردية وعربية سنية وعربية شيعية، والخراب لن ينتهي إلا بتقسيم العراق” على حد قوله.
خلفان ادلى بدلوه في قضية البطيخ فقال “بعد ظاهرة البطيخ الإيراني في الخليج.. صدقوني أن الفواكه الإيرانية كارثة صحية على الخليج”.
اثر هذه المخاوف قامت السلطات في عدة دول خليجية بسحب كميات من البطيخ المستورد من إيران وتنفيذ اجراءات صارمة على السماح بتداوله في الاسواق.
الذين يعيشون في واحدة من امارات الخليج يعرفون ان بواخر “اللنج” الصغيرة تنقل يوميا مئات الاطنان من الخضروات من الساحل الايراني الى سواحل دول الخليج العربي.
وهذه مسألة روتينية يومية تتم منذ مئات السنين ارتبط بهـا اقتـصاد الكثير من الباعة والتجار من الطرفين، فما سبب هذه الضجة التي اثارها “البطيخ الشيعي”؟.
بصراحة لا يمكن فصل الانشطة العادية اليومية عن المناخ السياسي العام، وعـن موجة العداء المتصاعدة في المنطقة خصوصا مع هذا الضخ الاعلامي الذي يتحدث باستمرار عن الخطر الشيعي المتخيل الذي بدأ يحاصر العقل العربي ويعبئـه ويساهم في خندقتـه طائفيـا، لتتحـول هذه التعـبئة فـيما بعد الـى منتجات عنـفيـة تهدد امـن المنطـقة وسلامها. وقد لا تكون الظاهـرة الداعشية آخـر هـذه المنتجات، مع وجـود منتجي افكار وظـيفـتهـم تعـميق الخلافات والاستمرار في تضخيمها، لا لأسباب طائفية مجردة، وإنمـا لأسبـاب تتـعلق فـي طرق ادارة المـلفات فـي المنطقـة وخرائـط النـفـوذ. فالإيرانيون لاعبون ماهرون على صعيد السياسة، مثلهم مثل الاميركيين، وهناك سلسلة طويلة من التسويات والتوافقات التي انجزتها البراغماتية الايرانية والاميركية في افغانستان والعراق وسوريا وغيرها. ورغم كل ما يقال في الاعلام، الا ان اميركا كما يبدو لا تزال تفضل دورا ايرانيا “عاقلا” على الدور العربي في المنطقة. اما الدول العربية فهي تقرأ بجدية اشارات واشنطن وطهران تجاه بعضهما فتشعر بالقلق من صفقة نهائية اميركية ايرانية، ولـم يـعد لديهـا مـن سلاح سـوى محاولة عرقلة اي اتفاق من هذا النوع عبر اثـارة المخاوف والتلويح بخطـر عقائدي قـادم، فـي ثيـاب الحشد الشعبــي العراقــي او تحت رايــات حزب الله اللبـناني اوعلى جناح صـاروخ نــووي، او فـي قشرة بطـيخة.

