صادق ناشر
قبل أقل من سبعين عاماً شهد العرب أكبر كوارثهم، وإن لم تكن الأولى لهم؛ فقد حدثت نكبة 1948 في فلسطين وسلم العرب بتواطؤ غربي مفاتيح المنطقة إلى «إسرائيل» وبريطانيا لترسما منذ ذلك التاريخ خريطة جديدة للمنطقة العربية بدءاً من فلسطين.
وفي الحقيقة فإن نكبة 1948 فضحت الأنظمة العربية التي لم تحسن التصرف حيال الترتيبات البريطانية لغرس «إسرائيل» خنجراً مسموماً في جسد الأمة العربية، عبر وعد بلفور عام 1917 وما تبعه من ترتيبات أخذت العرب على حين غرة وبدأت بتأسيس الدولة اليهودية التي التهمت فيما بعد الأراضي الفلسطينية تباعاً.
نكبة فلسطين هي أفصح تعبير عن النكبات التي عرفها العرب منذ ما بعد 1948، فمنذ ذلك التاريخ تغيرت هوية العرب التضامنية، وبدأ مسلسل الانهيار في منظومة القيم التي جمعت العرب وأظهرت حجم الانقسام الذي أصاب جسد الأمة العربية بأكملها وليس فقط بعض الأنظمة الحاكمة.
في السنوات والعقود اللاحقة لنكبة فلسطين، تحول العرب إلى مجرد أرقام في الأمم المتحدة، بل وشهدنا «انبطاحات كثيرة» في التعاطي مع توابع احتلال فلسطين في الأمم المتحدة وغيرها ؛ فقد خانت الأنظمة التي كانت قائمة حينها القضية الفلسطينية في محافل دولية عديدة، وعوضاً عن السعي لاستعادة فلسطين المحتلة كاملة، بدأ العرب في قبول فكرة دولتين وشعبين، بل وتحولت المطالبة باستعادة كل فلسطين إلى مطالبة بالاعتراف بحدود 1967، وهي الحدود التي صنعتها «إسرائيل» وبريطانيا والولايات المتحدة وبقية الدول الغربية وفرضتها على العرب.
وعلى الرغم من أن قضية فلسطين ظلت حية في وجدان الشعوب العربية، إلا أن الأنظمة الحاكمة رضخت للإملاءات الغربية والأمريكية، وتحولت فلسطين عند بعض الأنظمة إلى مجرد خطاب للاستهلاك الإعلامي، إذ إن الخطاب السياسي للنظام العربي ظل يدغدغ مشاعر المواطنين بلغة عاطفية، لكنه يفتقر إلى العقل السياسي.
نكبة 1948 إذاً، تحولت إلى لعنة أصابت الأنظمة العربية كافة، إذ إن الجميع استثمر القضية الفلسطينية كل حسب حاجته إليها لتثبيت سلطته، بل أسوأ من ذلك أن بعضاً من هذه الأنظمة تحول إلى خصم للقضية الفلسطينية، ورأينا خلال العقود الماضية كيف أن بعض الأنظمة العربية دخل في خصومات مستمرة مع القيادات الفلسطينية، التي كانت هي الأخرى عنواناً للأزمات والانقسامات التي عاشتها ولا تزال القضية الفلسطينية.
لعنة التفريط بالقضية الفلسطينية أصابت العرب جميعاً، ويبدو أن هذه اللعنة ستستمر مع العرب إلى ما لانهاية، خاصة إذا لم يتحرك العرب باتجاه إعادة ترتيب أوراقهم من جديد والانطلاق من فلسطين منصة لحل يؤدي إلى استعادة حقوق الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يدفع ثمن أخطاء الحكام العرب، الذين ارتضوا المهانة لأنفسهم ولشعوبهم.

