Pdf copy 1

تكلمنا في مقالة سابقة عن رواسب المفردات التركية التي تركها العثمانيون في لهجتنا الدارجة، وليست هنالك لهجة عربية تحفل بمفردات واصطلاحات مبتكرة تدل على الظلم والقهر والعنف والتعذيب والقتل والاغتيال والموت، مثلما تحفل لهجتنا العراقية. والعجيب بالأمر أن لهجتنا تغتني يوماً بعد يوم بالمزيد من المفردات والعبارات المبتكرة، فالعراقي وحده يفهم معنى (صكاكة – عَلاّسة – حواسم – نكرية – دمج – طكّوه بالدهن – طكّوه بوري – قفاصة – فضائيين – طروه أربع طرات – كوّموه – شالوه – إنثرم – الطايح رايح – مفخخ – شارب نفط) ولا يخفى على أحد أن هذه المفردات ما هي إلاّ انعكاس لما عاشه الشعب العراقي، ويعيشه من رعب وخوف وقلق، كنتيجة منطقية لما زرعته أنظمة القمع الدموي، التي توالت على حكم العراق منذ سقوط الحكم الملكي ولغاية 2003، ثم جاءت مرحلة الفوضى الخلاّقة لتضيف إلى دفاتر القلق اليومي مجموعة هائلة من المفردات العجيبة، التي تتحفنا بها القريحة العراقية من وقت لآخر.
طكّوه بالدهن: وهو تعبير عراقي قديم يعود لحقبة الثمانينات، ويعني: تآمروا عليه، ولفقوا له أخطر التهم، حتى أوصلوه إلى حبل المشنقة. 
صَكّاك: الصَكّاك هو القاتل المأجور، والصَكّاك في العربية الفصحى هو حافظ الصكوك. أما الفعل (صَكَّ) فيعني: ضَرَبَ. من قولهم: اِصْطِكاكُ القَوْمِ بِالسُّيوفِ: تَضارُبُهُمْ. وأصطَكَّ الرجلان: ضَرَبَ أحدهما الآخر. لكنها صارت اليوم من مفردات الاغتيالات والتصفيات الجسدية، التي ينفذها الصَكّاكة في المدن العراقية الفقيرة.
علاّس: العَلاّس (بفتح العين وتشديد اللام) هو الواشي والنمام، والعُلاس (بضم العين) هو الطعام، قولهم: ما أكلتُ اليومَ عُلاساً. عَلَسَ الرجل: أكل وشرب. أما في العراق فالعلاّس هو الواشي والنمّام، الذي يتزلف لرجال السلطة عن طريق النميمة والوشاية، والكلمة قريبة من (العَسّاس)، الذي يكلفه السلطان الجائر بمراقبة الناس والتربص بهم.
النقري (النـﮔـري): تُلفظ القاف مثلما تُلفظ الجيم المصرية. فالنقري: هو الحرامي الخفيف الحركة، واللص الذي تخصص بسرقة المال العام. يقولون: نَقَرَ الطائر الحَبَّة التقطها. نقرها نقراً. وقد استعار العراقيون هذه المفردة للتعبير عن مهارة الحرامية الجدد، وسرعتهم الفائقة في تنفيذ عمليات السرقة.
حواسم: حوسم – يحوسم – حوسمة، فهو من الحواسم. ظهر هذا المصطلح يوم أعلن صدام عن خوض معركته الخاسرة (أم الحواسم)، التي تسببت بتدمير العراق كله، وتسببت بموجة عارمة من النهب والسلب، فأطلق العراقيون تسمية الحواسم على السُرّاق والمسروقات. ثم أصبحت المباني العامة والخاصة هدفا للزاحفين نحو المدن، فسكنوها واستقروا فيها، ومنهم من ظل رافعاً راية الحواسم حتى يومنا هذا، ويُطلق عليهم (العوائل المحوسمة). ثم أخذ العراقيون يصفون كل متجاوز على أراضي الغير بأنه (حواسم).
شالوه: خطفوه، واقتادوه عنوة إلى مكان مجهول. فالفعل (شال) يعني: رفع. من قولهم: شال الشيء: رفعه وحمله. وأحيانا تعني: رحل وانتقل. قولهم: شالت الأسرة: انتقلت إلى مدينة أخرى. فكلمات (الرفع والحمل والنقل والانتقال والترحيل) اجتمعت في لهجتنا بمفردة (شالوه) لتعبر عن جرائم الإرهاب والخطف المسلح.
قفّاص: القفّاص في لهجتنا المحلية هو النصّاب، الذي يستغل طيبة الناس ويستغفلهم (يقفّصهم). لكنه في الفصحى صانع الأقفاص الذي يصنعها من جريد النخل.
اللهم أكفنا شر العلاّسة والنكرية والقفّاصة والصكّاكة. اللهم آمين.

التعليقات معطلة