يعترف بأنه خلال 35 سنة غناء لم يشعر بالراحة، ويؤكد أن الجمهور لا يعرف عن تاريخه سوى عشرين في المئة فقط. الفنان التونسي الكبير لطفي بوشناق كان في زيارة أخيرة إلى مصر، والتقته «لها» فتحدث إلينا عن سر نجاح أغنيته «خدوا المناصب»، والرسالة التي تحملها، وكشف عن زيادة أعداد التونسيين الذين أصبحوا يذهبون الى أطباء نفسانيين.
كما تكلم على رفضه الخضوع لرغبات المنتجين، ورأيه في كيفية انتشار الموسيقى والأغنية التونسية بشكل أكبر، واعترف لنا بالدور الذي كان يتمنى أن يلعبه، والمشروع الغنائي الذي أبكاه.
– هل كنت تتوقع أن تحقق أغنيتك الأخيرة «خدوا المناصب» هذا النجاح الكبير؟
الأغنية لم تحقق نجاحاً من فراغ، فالعمل الصادق لا بد من أن ينجح، والأغنية صادقة بكل معنى الكلمة، لأنها أوضحت المرارة وتحدثت عن الواقع الذي نعيشه حالياً في عالمنا العربي، فالكلمات تدور حول قصة المواطن البسيط الذي يتمنى أن يعيش حياة كريمة بعيداً من الكذب والسرقة والنفاق.
– ألا ترى أن الأغنية الثقافية التي تقدّمها الآن لم يعد يستمع إليها المواطن العربي؟
في كل لقاءاتي وحواراتي، دائماً ما أشدد على أن أهم الأشياء التي بقيت في يد العرب لإثبات هويتهم وتبليغ رسالتهم وتلميع صورتهم ودعم اقتصادهم، هي الثقافة بكل أنواعها؛ المسرح والكتاب والشعر والسينما والموسيقى والرسم والنحت.
فنحن كعرب نمتلك هذه الأدوات ولا يستطيع أحد أن يسلبها منا، لذا علينا أن نبرع فيها ونحافظ عليها. ولو نظرنا إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تعد الآن القوة العظمى في العالم، نرى أن أهم دعائم اقتصادها يتجلّى في الثقافة قبل بيع السلاح، فما بال العرب ملوك الثقافة وهم أيضاً لا يمتلكون سلاحاً يبيعونه؟ فعلى شعوب العالم العربي أن تهتم بالثقافة بكل ما أوتيت من قوة، لأنها سلاحها الوحيد.
– وما الذي أصاب الثقافة العربية في رأيك؟
الثقافة في مجتمعنا العربي تعاني التهميش واختزالها في موضع الترفيه، وألغينا كل النشاطات الأخرى التي تعدّ في كل دول العالم مركزاً من مراكز تقدمها ورقيها، فمثلما قال ابن خلدون: «تصل الشعوب إلى أسفل الدرجات بوصول فنانيها ومثقفيها إلى أسفل الدرجات، وتعلو وتسمو إلى أعلى الدرجات بعلو وسمو فنانيها ومثقفيها إلى أعلى الدرجات»، ومثلما قال أيضاً المؤلف المسرحي وليم شكسبير: «أعطوني مسرحاً أعطكم شعباً»، فالثقافة هي المرآة الحقيقية التي تعكس تقدم البشر، لكننا في وطننا العربي أصبحنا لا نهتم إلا بالجوانب التي لا تقدم نفعاً، بل ضرراً فقط، فكلما ارتقينا بثقافتنا، ارتقينا بمجتمعنا إلى أعلى المستويات.
– ألا ترى أنك ظلمت نفسك بتقديمك الأغنية التي تحمل قضية فقط؟
ما يعرفه الجمهور عن لطفي بوشناق لا يتجاوز العشرين في المئة من تاريخي الحقيقي، لأنني ومنذ انطلقت بمشوار الغناء والفن، لا أبحث عن موقع في هذه الساحة وإنما عن عمل وموقف يذكرني به التاريخ، فأنا أقدم الأغنية التي تحمل قضية حتى إذا استمع إليها الإنسان بعد مئة سنة يعرف ماهية الأعمال القيّمة التي قدّمها أجداده، لقد اخترت هذا المجال وأنا مقتنع به، وعندما أنظر إلى نفسي في المرآة لا أخجل، ولذلك سأقدم دائماً في كل أعمالي الأغنية التي تلامس أخي الإنسان.
– لماذا لم تشارك في الدورة الأخيرة من مهرجان الأغنية العربية؟
أعتبر نفسي دائماً واحداً من رواد مهرجان الموسيقى العربية، لكن في الدورة الأخيرة لم يمنح لي الشرف بأن أشارك فيه، وإن دُعيت إليه في أي وقت، أذهب على الفور لكي أشارك.
– لكنك شاركت في مهرجان الإسكندرية للأغنية الذي أقيم بالتزامن مع مهرجان الموسيقى!
شاركت فيه لأن الموسيقار هاني مهنّى دعاني إليه، وللعلم حينما تمّت دعوتي، قال لي هاني إن الإمكانات ضعيفة وليس في مقدوره أن يقدم لي مستحقاتي كاملة، فقلت له تُقطع يدي لو طلبت قرشاً واحداً، فأنا في مصر بلدي التي رعتني صغيراً وقدّمت لي الكثير وقلت لهم لو تريدون أن تجعلوني أغنّي في مصر وفي كل محافظاتها فلن أتردد.
فمصر بالنسبة إليّ كانت المكان الذي عشت فيه مرحلة الشباب، وقد عملت في مكتب الخطوط الجوية التونسية في القاهرة لفترة طويلة، تعرفت خلالها إلى عدد كبير من كبار الموسيقيين والشعراء المصريين، وأصبحت أتتلمذ على أيديهم، أمثال جمال سلامة وحلمي بكر ومحمد سلطان وبليغ حمدي وسيد مكاوي وهاني شنودة، ومن هنا أصبحت مصر بالنسبة إلي بلدي الثاني، الذي أسافر إليه كلما شعرت بالاشتياق إلى الزمن الجميل الذي نشأت فيه. فالفن والغناء والموسيقى ولدت في مصر.
– من الفنان الذي أثر فيك؟
بالتأكيد يستحيل أن أنسى فضل الموسيقار الكبير الراحل بليغ حمدي عندما استمع إلي للمرة الأولى في منزله خلال جلسة جمعتني بعدد من أصدقائه، وحينما عرف أنني أمتلك صوتاً جيداً، طلب أن يستمع إلي فقدمت له أغنية «أنا عشقت»، وهي إحدى أغنيات الراحل سيد مكاوي، وحينما أُعجب بصوتي، قال أمام الحاضرين: «ألا يستحق صوت لطفي أن أُلحّن له أغنية؟»، كما كان لسيد مكاوي فضل كبير في مسيرتي لا أستطيع أن أختزله في كلمات. وكما ذكرت، مصر لها فضل كبير عليَّ لا أستطيع أن أنسى جزءاً واحداً منه، فأدعو دائماً أن يحفظ الله مصر.
– ما القضية التي سيظل يغني لها لطفي بوشناق؟
قضية فلسطين، سأظل أغنّي لها حتى نهاية عمري، ففلسطين هي قضية كل إنسان وفنان عربي، ومن زار القدس والمسجد الأقصى سيعرف عظمة الله سبحانه وتعالى. ولهذا وُصِف بـ «أولى القبلتين»، ففلسطين ستظل رسالتي التي أغنّي لها حتى تتحرر بإذن الله، وحينما غنيت لها «زُرت القدس مشتاقاً وأُداوي الجرح بالصلوات»، لم تكن مجرد أغنية لدولة شقيقة، وإنما قدمتها لإيماني بأنه سيأتي يوم وتتحقق فيه العدالة الإلهية، فمن يقرأ آيات سورة «الإسراء والمعراج» يؤمن بيوم ستتحرر فيه فلسطين، إيماني بفلسطين ليس لكوني أحمل الجنسية الفلسطينية وجواز السفر الفلسطيني، فالجنسية والجواز أوراق، وإنما لأنني إنسان عربي أصيل، تونسي لحماً ودماً وفلسطيني الهوى.
– ما الأغنية التي تحبها وتمنيت أن تقدمها بصوتك؟
أغنية الراحل عبدالمطلب «ساكن في حي السيدة»، فهذا الرجل كان يغني بطبيعته، لا يصطنع موقفاً لكي يغني، فهو تلقائي ويمتلك صوتاً عبقرياً، وأنا من عشاق هذا الرجل الذي لن يتكرر مجدداً في عالمنا العربي.
– قدّمت في السينما التونسية دوراً في فيلم «صندوق العجب» مع المخرج نضال باهي، فلماذا لم تقدم أعمالاً أخرى؟
دائماً ما تُعرض عليَّ أفلام ومسلسلات، لكن حينما أقرأ السيناريو أو ملخص القصة لا أشعر بروحي فيه، فأعتذر عنه بكل أدب واحترام، فأنا لست ضد التمثيل، لكن شرطي ألا أكون متطفلاً على العمل، وأن أظهر فيه بشكل يضيف إليه، ولا أحب أن أظهر كهامش من هوامش العمل التي لا يتذكرها المشاهد عقب المشاهدة. مثلاً حينما وافقت على دوري في فيلم «صندوق العجب»، قدمت شخصية حقيقية هي شخصية والدي، الرجل القاسي الصعب، فكان دوراً أعرفه جيداً، وتم توظيفه بشكل جيد أثر في كل من شاهده

