نهلة الشهال
أكثر ما طابق هوى مارين لوبن، زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» (للسهولة: اليمين الفرنسي المتطرف) التي زارت القاهرة الأسبوع الماضي، هو جملة محددة استعادتها في مؤتمرها الصحافي يوم الأحد الفائت: «ما أود أن أقوله شيء قاله لي رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب، وأشاركه الرأي فيه. قال لي إن هؤلاء الناس، أي الأصوليين، كانوا يريدون تغيير الحمض النووي للمصريين».
السيدة «تُحدِّث» حزبها، مخلِّصة إياه من بعض خصائص نشأته، وعلى رأسها تعابير ومواقف تنتمي إلى أجواء الحرب العالمية الثانية والنازية، ممثَلة بأبيها الذي أقيل أخيراً من الحزب بعد تصريحات تعاكس مسعاها ذاك، كان آخرها (الذي طفّح الكيل) أنه قال «إن في الحزب كل شيء، بما فيه البيتانيين» نسبة للماريشال بيتان المتعاون مع هتلر في الحرب الثانية والذي تقلد رئاسة الدولة في فيشي. وهو اشتهر خصوصاً بتصريحه، الذي كرره مراراً، بأن محارق النازية في الحرب الثانية كانت «تفصيلاً» في التاريخ، ما جعل «الجبهة الوطنية» والأجرام التي تدور في فلكها مستحَبّة بنظر عدد من زعماء البلدان العربية وأجهزتها، فنالت مثلاً دعم النظامين العراقي والسوري، على أساس كرهها لليهود. وهذا طبعاً يتغاضى عن موقف الحزب من العرب والمسلمين، تماماً مثلما تغاضى أسلاف لتلك الأنظمة العربية عن احتقار هتلر للعرب (كان يسميهم «المتوسطيين»)، ووضعهم في مرتبة دنيا من سلّمه للأعراق، مقابل استهدافه اليهود.
مارين لوبن تحاول التخلص من هذا الإرث بضبط اللغة المستخدمة. لكن الأمر يفلت من يديها ومن لسانها، فاضحاً ما لا يتمكن الطلاء من حجبه. صحيح أن تعبير «الحمض النووي» جاء من رئيس الوزراء المصري، لكنها اعتدَّت به وتبنته، سعيدة بتقاسم اعتبار أن هناك خصائص ثابتة، جينية، لكل اجتماع بشري… وهو أساس النظرية العنصرية التي تسند الموقف الاستعماري الكلاسيكي أولاً، والفاشية ومنها النازية، ثانياً. فلو أن الحمض النووي للمصريين يَحول بينهم وبين الأصولية الإسلامية، فثمة ما يبرر أن يكون «الحمض النووي» للفرنسيين محدَّد الميول الفكرية والسياسية، وأن تفترض السيدة أن حزبها خير ممثل لملامحه، حيث يوجد في منطلقاته الخليط المعهود من الانحياز إلى «الطبقات الشعبية» (تماماً كما كان منحازاً لها الحزب «الوطني الاجتماعي» الألماني، المعروف بـ «النازي») ومن معاداة الأجانب.ويتمظهر ذلك على مستويي معاداة الكيانية الأوروبية وكراهية السطوة الأميركية (ما لا يمنع أن تختار مجلة «تايم» هذا العام السيدة لوبن من بين المئة شخصية الأكثر تأثيراً في العالم). فهذه الكراهية تتبلور بوصفها الشكل الضروري للحفاظ على الخصائص الفرنسية. وتلازمها معاداة المهاجرين، وهم مغايرون، علاوة على كونهم معدمين يقاسمون فقراء فرنسا القليل المتوفر، بينما الأخيرون هم أصحاب الأولوية أو الأفضلية، كونهم أبناء البلد الأصلاء، وفق أحد أبرز شعارات الحزب الذي يكتسح المشهد في البلد المأزوم ولدى الفئات في الريف وضواحي المدن التي تقذف بها النيوليبرالية والعولمة إلى البطالة والبؤس وأشكال ملتبسة من الخوف.
ولا بد كذلك من الالتفات إلى ما قالته لوبن خلال زيارتها المصرية، من أنها في غاية التأثر لمقابلة البابا تواضروس، بطريرك الكرازة المرقسية «المتربع على عرش القديس مرقس الاسكندراني»، وكيف أنها حريصة على العشرة ملايين قبطي مصري بوصفهم «الأحفاد المباشرين للفراعنة»، وكيف أنها قلقة من الأصوليين لأنهم يعتدون على المسيحيين في مصر والعراق وسورية، متعهدة بأنها لو أصبحت رئيسة للجمهورية فستستعيد «التقاليد التاريخية لفرنسا كحامٍ لمسيحيي الشرق»… وهو ما كان لا ينقص مشهد الخراب الذي نعيش وسطه، بعد تصريحات وإجراءات زعماء اليمين التقليدي (المُحدّث هو الآخر) وعلى رأسهم ساركوزي، التي اتجهت إلى تبني الموقف نفسه بفجاجة لا تفعل سوى إلحاق الأذى بالمسيحيين ودعم منطق الأصوليين حول تبعيتهم المفترضة للغرب. ويذكِّر هذا بتصريح متلفز لسكرتير لوبن السابق للعلاقات الخارجية ورئيس كتلة حزبها في البرلمان الأوروبي، السيد شوبراد، الذي نظَّم رحلتها المصرية ورافقها فيها، وقد قال إن المسلمين في أوروبا «طابور خامس»، فأعفي من بعض مسؤولياته. يا الله كم هو صعب النجاح في تقدير عيار الجرعات الفاشية المقبولة!وبإيصال منطق «الجبهة الوطنية» إلى نهاياته، لا مشكلة مع العرب والمسلمين والأفارقة من الفقراء المهاجرين… لو بقوا في بلادهم. تقول لوبن من قلب القاهرة إن مصر «ستحمينا» وستكون السد المنيع بوجه الهجرة إلى أوروبا. هنا بيت قصيد أول، تلاه امتداح للرئيس المصري كخائض لحرب عنيدة ضد التطرف والإرهاب، ما يبرر دعمه واعتباره حليفاً. وهذه هي المرة الثانية التي يحظى فيها الرئيس السيسي بتأييد صريح من حزب «الجبهة الوطنية»، بعدما تميز موقف هذا الأخير بالحماس الشديد له أثناء زيارته لفرنسا أواخر العام الفائت.وأما زيارة لوبن للأزهر ولقاؤها الطويل مع الإمام الطيب، فجاءا لخدمة مسعاها في استغلال الأمر بمجمله في أغراض انتخابية، حيث لوحظ في آخر تصويت جرى في فرنسا أن كتلة من المصوتين من أصول عربية وإسلامية اختارت «الجبهة الوطنية»، على رغم ميل هؤلاء عادة إلى عدم المشاركة في الاقتراع، وإلى اعتبار جميع التيارات السياسية الفرنسية «متساوية في السوء». وقد وردت تفسيرات متنوعة لهذا الاتجاه الجديد، أبشعها أنه تصويت لاستجلاب «الكارثة» بأسرع ما يمكن، حيث سيدفع فوز «الجبهة الوطنية» إلى حال من التوتر العام في البلاد، إن لم يكن إلى صدامات عنيفة، وأرجحها أن الخطاب الصارم والشعبوي في آن يلقى هوى لدى هؤلاء، وأن ممثلي اليمين التقليدي كما الحزب الاشتراكي غارقون في التفاهة والفضائح الشخصية والمالية.
الأزهر أصدر بياناً أول كان عاماً وشكلياً، ثم اضطر، على ما يبدو، وإزاء سياسة النشر المكثف لبيان «الجبهة الوطنية» حول «التوافق في وجهات النظر بين لوبن وإمام الأزهر على إدانة الإسلام المتطرف»، وإزاء التفاخر باستقبال الرجل للسيدة بلا غطاء رأس، ونشر الصورة «الرسمية» للقاء التي تثبت ذلك، إلى إصدار بيان ثان يشدد على الغاية من استقبالها: «دعوتها إلى إعادة النظر في موقفها من الإسلام وتصحيحه». وعلى رغم ذلك، كانت الزيارة ربحاً صافياً للوبن وحزبها

