Pdf copy 1

يقول المتخصصون في علم الجيوبوليتيك: أن الحدود الجغرافية هي الشاهد الأكبر على ما يدور خلف أسوار البلدان المتجاورة وفي ثغورها ومنافذها البرية، فالجغرافيا هي الشاهد الذي لا يمكن تكذيبه. فالحدود التركية العراقية، والتركية السورية صارت هي البوابات التي ظلت مفتوحة على مصاريعها للدواعش، وهذا ما رصدته الصحف التركية نفسها، ونقلته الفضائيات الأناضولية بكاميراتها المباشرة.
بات واضحاً أن أنقرة هي العاصمة المراوغة التي تعهدت بضخ الأوكسجين اللوجستي لكل العمليات التخريبية التي ينفذها الدواعش في المنطقة، وصار بمقدور القاصي والداني مشاهدة القوافل المحملة بالمؤن والعتاد وهي تعبر الحدود في طريقها نحو سهل نينوى أو نحو الحسكة. فالاردوغانيون المتأسلمون حصلوا على الترخيص المسبق من قيادة الناتو لتوفير الدعم المطلق لكل الخلايا الإرهابية العابثة في العراق وسوريا. دلالة ذلك أن حلف الناتو لم يعترض على أنقرة، ولم يمنعها من مواصلة هذا الانفتاح التعبوي مع الدواعش. فالتطنيش هو الشعار الذي رفعه الاتحاد الأوربي في تعامله الصريح مع البلدان الداعمة للإرهاب. ولم تتلق تركيا أي رسالة احتجاج من أي عاصمة أوربية تحذرها من مغبة هذا التصعيد الإرهابي في الشرق الأوسط.   
لكن الملفت للانتباه أن جماعتنا – وعلى الرغم من كل هذا الدمار والتخريب الذي لحق بالعراق – لم تكن احتجاجاتهم الرسمية ضد تركيا بالمستوى الوطني الذي يتوافق مع حجم الخروقات الأردوغانية المنتهكة لسيادة العراق. بل لم تكن تلك الاحتجاجات الخجولة معنونة مباشرة إلى تركيا، فالجامعة العربية هي الوسيط المتثاقل، الذي تلقى مذكرة الاحتجاج بشأن زيارة (أحمد داود أوغلو) لمدينة كركوك العراقية، وهي التي تلقت مذكرة الاحتجاج بشأن العمليات العسكرية التركية في المدن العراقية الشمالية، لكنك لن تسمع أي صرخة عراقية رسمية مدوية وصريحة تتهم تركيا بمساعداتها العلنية لداعش. على الرغم من اعترافات الصحف التركية، واعترافات الاتحاد الأوربي نفسه بهذه الحقائق التي شهدت عليها الوقائع الجغرافية المثبتة في ذاكرة الدعامات الحدودية الفاصلة بين العراق وتركيا، وبين سوريا وتركيا.
كانت الجامعة العربية ودودة جدا في تعاملها الحميم مع الأتراك، فأحمد بن حلي كان أقرب للتريك منه للتعريب، حتى الأزهر نفسه لم يكفّر الدواعش ولم يشجب الدعم التركي للإرهاب. والمضحك المبكي في هذا الأمر أن المؤيدين للدواعش من أصحاب العقول المشفرة يستكثرون على الشعب العراقي لجوءه إلى البلدان المجاورة والصديقة في تلقي الدعم اللازم لمواجهة التمدد التركي الداعشي. أغلب الظن أنهم لن يترددوا في الاحتجاج على دفاعنا المشروع عن أرضنا وعرضنا، وربما سيستشهدون في مهاتراتهم بالوقائع الجغرافية التي شهدت على تلقينا الدعم اللوجستي عبر منافذنا الجنوبية مع الكويت، أو عبر منافذنا الشرقية مع إيران، أو عبر منافذنا المينائية المرتبطة بخطوط الشحن البحري، أو عبر مطاراتنا المفتوحة على أجواء العالم كله. 
فكلاب الدواعش لها الآن أكثر من كالِبٍ، وأكثر من سائس، وأكثر من مروّض في هذا الظلام العربي الذي عاد بالأمة إلى الوراء، حتى لم يبق وراءها وراء.
والله يستر من الجايات

التعليقات معطلة