كاظم غيلان
المتغيرات التي تشهدها الساحة السياسية عراقياً وعربياُ وحتى عالمياً، تقتضي أكثر من وقفة تحليلية وتأملية لما ستتجه اليه نتائجها المحفوفة بالمخاطر، فليس ثمة وضوح في سياسة أي طرف كان في خضم حروب على جبهات عدة تدور رحاها، وكل حرب لها مميزاتها وهويتها وصفقاتها، اذا ما علمنا ان الحرب هي قبل كل شيء سوق تجارة للسلاح، ولعل أطراف تمويل السلاح تكون بالتالي هي صاحبة القرار الحاسم. وفي ظل هذه المتغيرات عقد مؤتمر باريس في الثاني من حزيران وبمشاركة 24 دولة وهي الدول التي أعلنت تحالفها ضد تنظيم “داعش” الارهابي، ولعل أبرز ما أفرزه المؤتمر ومنذ ساعاته الأولى كان قد لخصته كلمة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وهو يخاطب الحلفاء بصريح عبارته ( كلامكم كثير.. وأفعالكم قليلة).
ولم تكن الكلمة الا بالاعتماد على وقائع الحرب التي يخوضها العراق مع “داعش”، مؤكداً بذات الوقت أن نسبة 60 بالمئة من الارهابيين تدفقوا الى العراق عبر الحدود، مكرراً في الوقت ذاته أيضاً انتقاد شركاء التحالف من خلال عدم تزويد القوات العراقية بمعلومات حيوية كافية، متسائلاً عن الدوافع والأسباب الحقيقية التي تقف وراء تدفق تلك الأعداد الهائلة من الارهابيين من السعودية وبلدان الخليج ومصر وسوريا وتركيا ودول أوروبية في حين تزداد أعداد النازحين جراء العمليات الارهابية الحاصلة نتيجة سقوط عدد من مدن العراق تحت سيطرة هؤلاء الارهابيين ولعل في مقدمتها وأبرزها (الموصل) كبرى المدن العراقية والتي غدت ولاية تابعة لما يطلق عليه الاعلام المغرض بـ (تنظيم الدولة الاسلامية)، حيث بدأ عدد هؤلاء النازحين والمهجرين يجتاز الـ 3 ملايين، وهم يعيشون في ظروف قاهرة وتجتاحهم الفاقة والعوز وانتشار الأوبئة والأمراض خاصة في عدد ليس بالقليل من الأطفال والنساء، في حين يلاقي العراق صعوبات كبيرة حتى على مستوى سحب المبالغ المودعة في بنوك فرض عليها الحظر من قبل أميركا دونما مراعاة لتسهيل سحبها من قبل العراق وهي ليست بقروض أو منح تفضلت بها بعض الدول بقدر ما هي أمو ال عراقية صرفة.
أميركا وفي أكثر من حادث توجه ضربات لقطعات الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي، الا انها سرعان ما تكذب الخبر أو تؤكد وقوعه عن طريق الخطأ، وآخرا وليس أخيراً اختراق الطيران الجوي الأميركي لأجواء منطقة (النخيب) واستنكار العراق المعلن لهذا التجاوز على السيادة الجوية العراقية التي لم تتجزأ عن سيادة العراق، فالتحالف لا يعني في أي حال من الأحوال انتهاكاً بقدر ما هو مساندة لخطر “داعش” الذي لم يهدد العراق وحده وإنما يهدد المنطقة العربية بأسرها والعالم وباعتراف أميركا ودول التحالف التي أقرت بامتدادات هذا التنظيم، فما معنى ان يرصد طيران التحالف أرتال “داعش” التي تخترق اراضي الأنبار بعين المتفرج؟ أما كان الأجدر أن يقوم بقصفها ليؤكد مصداقيته في تحالفه مع العراق ومحنة معركته المصيرية مع “داعش”؟.
ما أعلنه رئيس الوزراء كان واضحا ولم يكن فيه شيء من الالتباس والغموض، لكن الذي يثير الاستغراب هو تدخل بعض أطراف التحالف بالشأن العراقي عبر الدعوة للاصلاح السياسي الداخلي ومشروع المصالحة الوطنية وتحقيق الوفاق بين العراقيين، وهذه الدعوات لم تأت اعتباطاً بقدر ما كانت رسائل وجهتها أطراف مشاركة في العملية السياسية ولها أغراضها ومصالحها التي تملي عليها مثل هكذا مقترحات لتشكل ورقة ضاغطة على القرار السياسي العراقي، فمثل هكذا أمور ما هي إلا شأن داخلي محض، ومن العيب اشراك وسطاء في كل الأحوال ما هم الا (أجانب)، فأين هو الحس العراقي الوطني الخالص حتى يدعو الأمر لتكليف أطراف دولية مشاركة في مؤتمر باريس لحل نزاعاتنا التي نحن أولى بها لأننا أصحاب الشأن؟.
إن المصالح المشتركة في الحروب لا تخلو من الغموض الذي هو في كل الأحوال الممر الأول لصفقات الأسلحة وسوقها التي تلاقي الرواج في الحروب وهذا ما أكدته مقولة تشرشل الشهيرة “ليس هناك صداقات دائمة، بل هناك مصالح دائمة”، فمتى ما اقتضت هذه المصالح منفعتها تجدها مع الطرف الآخر المنتفع وتصبح الصداقة التي غرر بها الآخر في خبر كان.

