Pdf copy 1

 د. جواد بشارة
في يوم واحد ضرب تنظيم “داعش” الإرهابي ثلاث مناطق متفرقة في العالم في آن واحد، ناهيك عن ممارساته الإرهابية اليومية في العراق وسوريا والصومال وغيرها من مناطق العالم لكنه ضرب هذه المرة، في يوم واحد في تونس والكويت وفرنسا، بيد أن الهجوم على هذه الأخيرة لا يشكل جديداً أو سابقة في ضوء ما نعرفه من حرب معلنة وصريحة بين فرنسا وأكبر تنظيمين إرهابيين في العالم وهما “داعش” والقاعدة. وكان ذلك واضحاً من ناحية المبدأ لأن هذين التنظيمين الإرهابيين سبق أن هددا فرنسا بسيل من العمليات الإرهابية الانتقامية بسبب دورها في محاربة القاعدة و”داعش” في أفريقيا والعراق، وذلك من خلال الاعتماد على الخلايا النائمة والذئاب المنفردة المجندة لمثل هذه المهمات المباغتة والالتفاف على الإجراءات الأمنية الوقائية المهمة والمتشددة التي تتبعها فرنسا في مجال المراقبة والرصد والمتابعة والأرشفة  لمكافحة الإرهاب. 
لا يهم معرفة من قام بتنفيذ الأعمال الإرهابية، “داعش” أو القاعدة، فهما وجهان لعملة واحدة، وسواء أكانت هذه الهجمات قد وقعت بتنسيق وتوقيت مقصود مع الهجمات الإرهابية التي نفذت في تونس والكويت أم لا. المهم هو معرفة ودراسة ومعالجة الأسباب الحقيقية والجوهرية التي أوصلتنا إلى  حالة العداء والحرب مع جزء متشدد وراديكالي وعنيف من العالم الإسلامي السني وهو التيار السلفي  والتكفيري الذي يستخدم العنف والوحشية والإرهاب في أعلى أشكاله وهو البطش والقسوة والترهيب وزرع الذعر في المجتمعات المقصودة بهذه الستراتيجية الإرهابية. الحصيلة ثقيلة وصادمة ففي تونس وقع 37 قتيلا وعدد من الجرحى، جلهم من السياح الأجانب، وفي الكويت 28 قتيلاً وعدد كبير من الجرحى، كلهم من الشيعة، إلى جانب الدمار المادي، وفي فرنسا وقع جريحان وقتيل واحد قطع رأسه وعلق على سياج حديدي مصحوباً بكلمات عربية مما حقق الغرض المنشود من العملية الإرهابية في بلد غربي علماني لم يألف مثل هذه الممارسات الوحشية. يبدو أن الجماعات الإرهابية اعتبرت رمضان شهر (جهاد!!) وليس شهر فضيلة وصيام وتسامح واستغفار، فإيديولوجيا الجماعات الإرهابية بكل أصنافها هي الذبح والترويع وزعزعة استقرار المجتمعات بكل الوسائل الممكنة وهذا يمثل خياراً سياسياً وعسكرياً واضحاً يقول: إما نحن أو أنتم،  وبالضرورة ، حسب وجهة نظرهم هذه، لابد من خروج منتصر ومنهزم من هذه المواجهة الدامية، فالتنظيمات الإرهابية تتعمد ضرب المناطق التي تختارها بدقة ولحسابات مسبقة، ففي تونس ضربت للمرة الثانية اماكن سياحية بغية ترهيب السياح ومنعهم من القدوم إلى تونس حيث كلنا يعلم أن السياحة في تونس هي المصدر الحيوي الأهم في اقتصاديات البلد. ونفس الشيء تحاوله هذه الجماعات الإرهابية في مصر. أما في الكويت فهي تسعى لخلق فتنة طائفية خطيرة ومدمرة على غرار ما تقوم به في العراق وسوريا والعربية السعودية. وفي الصومال قامت حركة الشباب الإرهابية المتطرفة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابية بشن هجوم على قاعدة عسكرية تابعة للاتحاد الأفريقي تبعد مسافة 100 كم عن العاصمة الصومالية مقديشو وقتلت العشرات من المدنيين في سلسلة من المعارك هي الأعنف من نوعها في المنطقة حيث سقط ما يزيد على الخمسين قتيلاً وعدد كبير من الجرحى.
ما السر وراء تحول “داعش” من مجموعة من المقاتلين المتطرفين الإرهابيين إلى مسخ مرعب يصعب القضاء عليه  في ظرف بضعة أشهر؟ وكيف لم تدرك القوى الغربية وتتوقع مثل هذا التقدم في قوة ونفوذ هذا التنظيم الإرهابي وانتشاره، بل وسيطرته على مساحات واسعة في أخطر منطقة في العالم وأكثرها حساسية، وهي منطقة الشرق الأوسط، بكل ما تملكه من تكنولوجيا وقوة عسكرية واستخباراتية وهيمنة على المراقبة الجوية والفضائية؟. 
الستراتيجبة الغربية في المنطقة هي التي ساهمت في مثل هذا الصعود المدوي لهذا التنظيم الإرهابي الخطير فالولايات المتحدة الأميركية جعلت من العراق ساحة المعركة الرئيسية لمواجهة التنظيمات الإرهابية الإسلامية المتطرفة وجذبتها إليه لكنها فشلت في دحرها، بل ولا حتى تحجيمها، فولت هاربة تاركة العراق وشعبه أمام هذا الوباء القاتل. لذلك يمكننا القول أن تنظيم القاعدة كان منتشراً كالاخطبوط في خلايا النسيج المجتمعي العراقي، ومن رحمه ولد تنظيم “داعش” الإرهابي الأخطر والأكثر دموية. والغرب هو الذي قرر زعزعة استقرار سوريا وإدخالها في أتون حرب أهلية مدمرة وطغيان للتنظيمات الإرهابية المسلحة كداعش وجبهة النصرة، والجبهة الإسلامية وجيش الفتح وغيرها من التنظيمات، مما خلق منطقة نفوذ آمنة ونقطة انطلاق ستراتيجية للتوسع، حيث قام تنظيم “داعش” الإرهابي بالفعل منذ حزيران 2014 في التمدد واحتلال مناطق واسعة من سوريا والعراق منها ثاني أكبر مدينة في العراق وهي الموصل ومناطق من محافظات أخرى كالأنبار وصلاح الدين، واقترب  من العاصمة بغداد على بعد بضعة كيلومترات منها وشكل تهديداً مباشراً عليها، ونفس الشيء في سوريا عندما صار يهدد العاصمة السورية دمشق واحتل منطقة الغوطة المتاخمة للعاصمة. وكان الغرب يساعد التنظيمات الإسلامية المتطرفة والإرهابية في سوريا رغم معرفته بطبيعتها وحقيقة نواياها وأهدافها من خلال الدعم الذي قدمه لها عبر تركيا ودول الخليج بذريعة محاربة النظام السوري والعمل على إطاحته على يد المعارضة المسلحة.
 إلا أن السحر انقلب على الساحر وصارت “داعش” تهدد حتى حلفاءها وشنت هجوماً على منطقة كردستان العراقية عندها استشعر الغرب خطر هذا التنظيم الذي تحول إلى دولة وأعلن الخلافة الإسلامية في العراق والشام أولاً من اجل امتدادها للسيطرة على العالم الإسلامي برمته حيث توجد منابع النفط ومصادر الطاقة الرئيسية الحيوية والضرورية لحياة الغرب نفسه أي باتت تشكل تهديداً على الغرب على المدى المنظور لأنها يمكن أن تقطع عنه النفط وتشن عليه هجمات، لا سيما إذا امتلكت أسلحة فتاكة كالسلاح النووي الموجود أساساً في باكستان وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق الإسلامية ويمكنها شراءه من السوق السوداء إذا ما دفعت ثمنه لتجار السلاح المجرمين المنتشرين في جميع أنحاء العالم. وعندما وصلت الأمور إلى هذا الحد تحركت المجموعة الدولية على شكل تحالف دولي خجول لتوجيه بضعة ضربات جوية سرعان ما تكيفت معها جماعات “داعش” وانتشرت بين السكان المدنيين واستخدمتهم كدروع بشرية تحتمي بهم من تلك الضربات التي لا تتمكن وحدها من دحرهم واستئصال خطرهم. ومن هنا يمكننا القول أن أحد مفاتيح نجاح “داعش” واستفحال خطرها يكمن في أخطاء الولايات المتحدة الأميركية في العراق وسياساتها مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي إزاء سوريا وخلقها لمنطقة انتعاش ملائمة للتنظيمات الإرهابية في ليبيا بعد أن أسقطت نظام القذافي بالقوة وتركت الميليشيات الإسلامية المتطرفة تعيث في أرض ليبيا فساداً وتصدر الإرهاب والإرهابيين إلى مصر وتونس والعراق وسوريا وغيرها من الدول وبالطبع تجند الأنصار في قلب الغرب نفسه للقيام بعمليات إرهابية دموية كما حدث في فرنسا مؤخراً. 
إن ترك آلاف المنتسبين للأجهزة الأمنية والاستخباراتية الصدامية وعناصر من الجيش  والحرس الجمهوري الموالية لصدام وفدائيي صدام يختفون وينتشرون بخبراتهم وما لديهم من أسلحة وأموال مخبئة ليلتحقوا بتلك التنظيمات الإرهابية ويرسموا لها الخطط ويقدموا لها المعونة والتعزيزات بل ويقودوها في أغلب الأحيان هو الذي عزز من قوة وخطورة “داعش” وأمثالها، التي سعت وتسعى إلى خلخلة النظام وزعزعة الاستقرار وإشاعة الفوضى والرعب داخل المجتمع العراقي بكل مكوناته، وتوفير المناخ الملائم لخلق حواضن اجتماعية تلتف حول هذا التنظيم الإرهابي باعتباره الذراع المسلحة الضاربة والقادرة على تهديد النظام الشرعي المنتخب البديل للنظام الدكتاتوري السابق. 
كان تنظيم القاعدة الإجرامي بقيادة المقبور أبو مصعب الزرقاوي قد بدأ ستراتيجية إبادة أهم مكون من مكونات الشعب العراقي واستهدافه بعملياته الإجرامية ثم واصلت “داعش” هذه السياسة الإجرامية عن تعمد وتخطيط مسبق لغرض دفع المجتمع العراقي إلى الاقتتال الطائفي والحرب الأهلية الطائفية. ولقد نجح  تنظيم “داعش” في تحقيق جزء كبير من هذه الستراتيجية التخريبية وزرع الشقاق وانعدام الثقة بين أبناء الشعب العراقي وتحويل الشيعة إلى عدو في نظر عدد لا بأس به من أبناء السنة حسب تشخيص الباحث الفرنسي رومان غايت  المتخصص بالشؤون الإسلامية وبالحركات الإسلامية المتطرفة والمتشددة الذي شخص الأزمة منذ سنة 2004 وقال أن الأميركيين سوف يخرجون من العراق ويتركون البلد فريسة الصراعات والمواجهات الطائفية وهذا ما حصل بالفعل. وهذا ما يفسر الحرفية العالية التي تتحلى بها القيادة العسكرية الميدانية لتنظيم “داعش” التي يطغى عليها العنصر العراقي وضباط صدام السابقون كما تقول جيسيكا لويس مديرة الأبحاث في معهد الحرب  في مقابلة أجرتها معها صحيفة فاينانشيل تايمز. 
الخطأ الستراتيجي الثاني الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأميركية هو طريقة صياغة الدستور وما تخلله من ثغرات وقابلية للتأويلات المتناقضة لفقراته ومحتوياته وهو الأمر الذي أفرزته سياسة المحاصصة على حساب مبدأ المواطنة، والذي قسم العراق إلى مكونات متميزة عن بعضها ومنفصلة بعضها عن البعض الآخر، مما وفر التربة الملائمة لانتشار النزعات السلفية والطائفية التي احتكرت الصوت السني وأعلنت نفسها بالقوة كممثل وحيد ومعبر عن مطالبه المشروعة. فيما تمثل الخطأ الثالث في تخلي الولايات المتحدة عن الصحوات وأبناء العشائر في المناطق الغربية للعراق، بعد أن نجحت في استقطابها وتجنيدها لمحاربة تنظيم القاعدة الإرهابي ونجحت في ذلك نسبياً. واليوم يقف الجميع أمام مأزق لا يعرفون سبل الخروج منه.

التعليقات معطلة