Pdf copy 1

نعيم عبد مهلهل

ليل الأهوار لن يؤرقهُ سوى غناء النساء الساحرات ، أنها مهنة الحلم الأكثر شيوعا في حياة الليل ، المطارق فيها دموع حنيننا والمناجل بحة الكاهنات المنشدات في ارقة الروح وهي تبحث عن ملاذ آمن تودُ فيه الاستراحة من تعب النهار وأسى أنْ تسمعَ صراخا بعد منتصف الظهيرة يقولون لك فيه : أنَ داخل بن سوادي عطب  (9 سنوات ) قد غرقَ للتو بمياه الهور وهو يطارد جاموسة نافرة ، عندها لن يكون بمقدوركَ أن ترفع من صوت شذى حناجر الكاهانات في ليل الاذاعات والراديو وتقربُ سماعة الجهاز الى اذنكَ وبصوتٍ خافتٍ تبحث عن صوت لميعة مثلما كان السياب يبحثُ بهدوءٍ وصمتْ وخلسة عن وجوه النساء ليسجلَ أساطير جمالهنَ في قصائده .تلك الأيام البعيدة جدا ، أستذكرها الآن مع صوت الهاتف البعيد للشاعرة الرائعة لميعة عباس عمارة ، فهي بين حين وحين تتذاكر معي أحلامها ومشاريعها ، يقظة ممتلئة بالجمال والحيوية بالرغم من أنها اجتازت الخامسة والثمانين ، وفي آخر صوت هاتفي لها من أمريكا كانت قربي في صوت الحاسوب تغني كاهنة أخرى تدعى لميعة توفيق ، حيث تربكني خمائل صوتها وهي تغني ( هذا الحلو كاتلني ياعمه ) لتذكرني بتلك الليلة الحزينة التي غرق فيها التلميذ في الصف الثالث في مدرستنا ( داخل بن سوادي عطب ) وكيف كانت أمهُ تنحبُ وتولولُ وتقول :اين انت يا وليدي الحلو .  وفي تلك الليل اكثر من إذاعة أحست بأسى الأم المعيدية وبثت أغنية لميعة توفيق ( هذا الحلو كاتلني يا عمة ) وقتها بكيت وهمسة للمذياع : عمتي لميعة ،الحلو الذي قتلكِ غرق اليوم في مياه الاهوار وعشرة رجال من اهل قريتنا يبحثون عنه ولم يجدوه إلى الآن. صوت لميعة توفيق الغائب في أزقة الإذاعات وصوت (لمعية عباس عمارة) القادم في أثير أسلاك الهواتف الأرضية يجتمعان عند حدود الشوق للمكان البعيد ، الرقة المتناهية في المشاعر والحنين السومري للمكان البعيد عند الأديم الأخضر الذي كنا نصنع عليه أرائك الغرام والكتابة وأمنيات السفر. الآن واحدة من ( اللميعتين ) سافرت في صدى السماء البعيدة تنتظر قدرها مع جمال صوتها إنْ كان يُؤهلها لتدلف عبر بوابات الورد الى جنة دلمون ، واللميعة الرائعة الأخرى تعيش مثلي اغتراب القارات ، هي في أمريكا ، وانا في أوربا. أحسب المسافة بأميال الحنين الممتدة في الحبال الصوتية في حنجرة لميعة توفيق فأحصل على كم هائل من الذكريات وذلك الفجر المترب بالعويل يوم استطاعوا ان يجدوا الدمية الغريقة (داخل بن سوادي عطب ). هذا الكم يتدثر الآن بشرشف الحنين ويكتب السطور الأخيرة لمديح عمتي المرحومة ( لميعة توفيق ) وأتحدث عن ذاك الزمن الملوكي الذي فات أوانه فالتواريخ الحالمة لا تُستعاد لمجرد انكَ تحلم فيها ، لكننا على الأقل نضعها عند ضفاف انهر الذاكرة لنسبح معها في أمنية صغيرة تهجع اليها نفوسنا بعيدا عن هذا الهدم الذي ينخر بمعاول المنافي أرواحنا وأجسادنا ويبدل حتى لهجة ابناءنا . من ( الجا واللعد ) الى ( الثانكيو) الانكليزية و( الدانكشون ) الألمانية و( المرسيه ) الفرنسية و( الكراسياس ) الاسبانية وكلها تعني شكرا … وعليه تبقى هذه الاغنية وغيرها فيتامين يرمم كل ما يتهدم ونمتلك في سلطنتها شيئا من ذوق نحتاجه حتى في رسائل الغرام ومكالمات الموبايل ونصوص المقالات والرواية والشعر ،لأن هكذا هاجس صُنعَ من بحة لميعة توفيق كفيل بخلق لحظة الحسم لنتحول ولو لربع ساعة الى بشر غطتهم الأحلام الحقيقية ببردتها وأغرقتهم أمطار الشوق للمكان الأسطوري . مكان السنونو وشجر النخيل والعصافير وبائعات القيمر وغجريات اغاني داخل حسن .

التعليقات معطلة