إذا استثنينا بعض البرامج التثقيفية والترفيهية الناجحة، فكل ما يمكن أن نقوله عن بقية البرامج العربية الرمضانية لهذا العام: أنها أهدرت أوقات المتعة البريئة المخصصة للمشاهد، واستغلتها في الترويج لهذا الكم الهائل من الدعايات الاستهلاكية المتكررة. فالجديد فيها أنها أصبحت أكثر سوءاً وتهتكاً من العام الماضي، ابتداء من الألفاظ البذيئة والمشاهد المبتذلة، إلى المقاطع الفيلمية الرديئة، التي صارت هي العامل المشترك لمعظم القنوات العربية المشتركة بالقمر (نايل سات). بينما تحولت برامج المقالب إلى مصدر مزعج من مصادر الأزمات القلبية للضيف (الضحية) وللمتفرج المُحاصر في منزله.
برامج سطحية وغثة ومملة. تفسد على المشاهد صيامه. تتكرر كل عام في الموسم نفسه على الرغم من تعرضها لانتقادات واسعة من المشاهدين والنقاد، لكن المفارقة هي أن القائمين على تلك القنوات الفضائية لا يعبئون مطلقاً بهذه الانتقادات. فالإعلانات التجارية هي ضالتهم المنشودة، وبخاصة في أوقات الذروة. قبيل أذان المغرب، وفي فترة الإفطار وما بعدها. وذلك بتكرار بث الإعلانات التجارية المزعجة. الملفت للنظر أن الفضائيات العربية لا تحترم المشاهد ولا تكترث به. وربما كانت هذا العام أكثر استخفافا بما تقدمه من برامج تافهة.
لا ندري كيف اتفقت معظم الفضائيات العربية في فرض هذا الحصار الفكري والثقافي والترفيهي على المشاهدين ؟. فالمقابلات الحصرية مع المتطفلين على عالم الفن هي الخصلة التي انفردت بها، وكرست وقتها لها. وكأن هذه الفئة الدخيلة على السينما والمسرح هي التي تمثل الواجهات الحضارية لمجتمعاتنا الواقعة تحت مطرقة هذه المضايقات التلفزيونية الثقيلة. بينما جاءت المقابلات السياسية المتلفزة لتسلب راحة المشاهد، بتعمدها إظهار رجال السياسة وكأنهم ملائكة يحلقون في فضاءات العفة والنزاهة، ويبدعون في مجالات الورع والتقوى. أو كأنهم فلاسفة يعيشون في صوامع الحكمة والموعظة الحسنة.
كنا نتمنى أن تكون للمشاهد العربي حصة للترفيه والمتعة البريئة، وتكون له فرصة للابتعاد عن وجع الرأس وقرف الأوضاع السياسية المزرية، التي عصفت بعواصم الشرق الأوسط، وأخذت بعداً إجرامياً جديداً في هذا الشهر الفضيل بما تقدمه الأقطار العربية المارقة من دعم لوجستي غير محدود للخلايا الإرهابية. آخذين بنظر الاعتبار تصعيدها المتعمد لحدة الصراع التخريبي القائم في هذه المنطقة، التي عصفت بها الدسائس والفتن. ومزقتها المؤامرات، من دون أن تهتم بمشاعر الصائمين والقائمين.

