Pdf copy 1

حازم مبيضين
بإعلانه انتهاء عملية السلام مع الكرد، يكون أردوغان قطع خطوة واسعة في درب الفشل الذي يمضي فيه مسرعاً إلى الهاوية، ولعل تحذير “الأطلسي” له من عواقب استهداف المقاتلين الكرد الذين يقاتلون “داعش”، ونسف الحوار السياسي مع كرد بلاده، مؤشر على المصير المنتظر لزعيم حزب العدالة والتنمية، بعد خسارة حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، خصوصاً وأن الرئيس التركي السابق عبدالله غول، أبرز شركاء مسيرته السياسية، انقلب عليه مطالبا البرلمان بالعمل على وقف الحرب وإراقة الدماء، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية، بدل العمل على إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، يحميها 5 آلاف مقاتل من التركمان السوريين، الذين سيعمل على تدريبهم وتسليحهم لحماية هذه المنطقة، وهي عملية رفضتها الأحزاب التركية المعارضة، مؤكدة أن العودة إلى استخدام ورقة التركمان مجدداً في الشرق الأوسط، فاشلة وتستوجب الحذر.
انقلب السحر على الساحر، فالذين كانت تساندهم أنقرة في ضرب سوريا والعراق، انقلبوا ضدها متوعدين بفتح إسطنبول، بعد أن مكنهم أردوغان من كل أسباب القوة والدمار، وحكومته اليوم تحاول إرسال رسالة إلى الداخل التركي مفادها أنها تعلمت من درس الانتخابات، فقررت قطع الصلة مع تنظيم “داعش” الذي استفادت منه، خاصة في تهريب البترول، وهي تتعهد بأن ضرباتها الجوية التي استهدفت الكرد ليست إلا مجرد البداية، وهي تأمل الحصول على موافقة دولية على استئناف الحرب بينها وبين الأقلية الكردية، وتستهدف بذلك قطع الطريق أمام المعارضة العلمانية، وهي تستعيد سيطرتها على الرأي العام التركي.
يرى البعض ان هنالك انتفاضة صعقت عقل الرئيس التركي، فأرسل طيرانه الحربي إلى أجواء سوريا والعراق، متيقناً من الفشل الذريع في الاعتماد على “داعش” لتحارب الكرد نيابة عنه, بعد أن كان تحدي الحلفاء الغربيين، وامتنع عن التعاون معهم للقضاء على الدواعش، باعتبارهم أعداء لطموحات الكرد، بينما حسمت المعارك النتيجة لصالح الكرد، فاكتسبت حركتهم في تركيا شعبية سهّلت لهم الدخول إلى البرلمان بقوة، وتعاطفاً دولياً برز في دعم طيران التحالف للكرد السوريين في حربهم ضد الدواعش، وهو ما اعتبره أردوغان تهديداً للأمن القومي لبلاده، فتخلى مرغماً عن تكتيكاته قصيرة النظر، ومتبعاً ستراتيجية تهدف لمنع نشوء كيان كردي عند حدوده مع سوريا.
تقوم معادلة أردوغان اليوم، على أساس رأس “داعش” مقابل رأس الكرد السوريين، وخصوصاً مؤيدي “العمال الكردستاني”، وهي معادلة أملتها عدة عوامل، أبرزها سعيه لتجاوز معضلة تشكيل الحكومة، بخلق أزمة خارجية تستحوذ على الاهتمام، وتصويب العلاقات مع الغرب، والسعي ربما لإعادة إحياء الطموحات العثمانية، وهي معادلة ليست مرشحة للنجاح، إن صحت الأنباء عن حفر “داعش” أنفاقاً وخنادق، تسمح لها بالتواصل مع خلايا نائمة للتنظيم، مؤهلة للقيام بعمليات انتحارية داخل تركيا، كما أن إعادة تأجيج الحرب ضد الكرد ليست غير طريق مفروش بالدم والخراب.
ما يؤكد نوايا أردوغان العدوانية ضد الكرد، أن طائراته شنّت هجمات واسعة على جبال قنديل في العراق، حيث مواقع حزب العمال الكردستاني، ويأتي هذا التصعيد للتغطية على فشله في تمرير القانون الرئاسي الذي عوّل عليه لتوطيد وتوسيع صلاحياته المطلقة، وليس سراً أن الوضع الكردي الجديد كان سبب تحجيم “العدالة والتنمية”، ما دفع أردوغان لرفض تشكيل حكومة وحدة وطنية مع احزاب المعارضة، واللجوء بدل ذلك إلى انتخابات مبكرة، يأمل الفوز فيها معتمداُ على أصوات الحركة القومية المتطرفة، الرافضة لمشروع السلام مع الكرد، ويشاركونه المخاوف من احتمال انتصار الكرد في نهاية المطاف، ما سيشجعهم على المطالبة بالحكم الذاتي، ولعله اليوم يسعى لتمكين سوريا والعراق من العودة دولتين متماسكتين وقويتين، وقادرتين على حل أزمات أقليات الداخل “الكرد” بينما يواصل التفاوض مع الكرد الأتراك.
إذا نجح أردوغان بإقناع الحلفاء الغربيين بإطلاق يد جيشه في المناطق الكردية السورية، نظير التعاون معهم للقضاء على “داعش”، فإن على الكرد السوريين التهيؤ ليكونوا أكبر الخاسرين في مجمل التغييرات التي ستطرأ على المنطقة، فالمؤكد أن التدخل التركي ليس استجابة لمصالح المعارضة السورية، وهو موجه ضد الكرد والانتصارات التي حققوها ضد القوى الإرهابية، ومن المتوقع أن يتصدى المواطنون كرداً وعرباً ضد ذلك، كما أنه من المتوقع أن تشهد تركيا انتفاضةً توقف عجلة الحياة المدنية، وربما ينتقل الوضع إلى حرب أهلية.
ساذج من يظن بأن “مذبحة سوروج” هي دافع أردوغان لإعلان الحرب على “داعش”, وهي حليفته وذراعه الضاربة في العراق وسوريا, فهو يسعى لإنشاء مناطق آمنة وحظر طيران في سوريا، ويكشف ذلك أن الموقف التركي, بعد اتفاق فيينا, يسعى لفرض قواعد جديدة للعب, بعد أن بدأ نجم أردوغان وحزبه في الأفول.
كرد تركيا يأملون بحل القضية الكردية حلاً سياسياً عادلاً، لكنهم يملكون خيارات أخرى ربما تصل عبر البندقية، إلى إعلان الحكم الذاتي على غرار ما جرى في العراق، ويأملون أن تلقى خطوة كهذه دعم أبناء أمتهم، وتفهماً دولياً مسانداً، بينما يسعى أردوغان إلى انتخابات مبكرة، إن لم يتمكن من تشكيل حكومة حرب، تواجه الكرد داخل وخارج تركيا، وهو بذلك سيواجه عدوين لم يكن يتوقعهما، “داعش” من جهة والكرد من الجهة الأخرى.
حرب أردوغان المعلنة ضد “داعش” ليست غير ستار مفضوح لحربه ضد الكرد وطموحاتهم القومية.

التعليقات معطلة