حازم مبيضين
في ظل واقع عربي بائس، تنشغل فيه الشعوب والأنظمة بحروب بينية، يُصنفها البعض في خانة المؤامرة، وهي ليست كذلك، تنتهز إسرائيل الفرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وهي تخطط لأن تصبح نهائية، لمساعدتها على التنصل من مواصلة عملية التسوية السياسية، استناداً إلى قناعتها بانعدام قدرة الأنظمة العربية على حماية أية اتفاقية تتوصل إليها مع السلطة، في حين يقف العالم متفرجاً ويكتفي بالتعبير عن القلق، مع قناعة مؤكدة في تل أبيب بسقوط شرط عقد اتفاقات سلام، كمقدمة للدخول في السوق العالمية، وتجنيد الاستثمارات وإنهاء المقاطعة العربية، ولذلك يجد نتنياهو نفسه مُطمئناً، فيعلن أن حكومته بصدد تعديل قواعد الاشتباك، وتشديد العقوبات بحق راشقي الحجارة، وأنها لن تسمح للمرابطين في الأقصى بمنع اقتحامات اليهود للموقع.بالتزامن مع إعلان المستوطنين نيتهم تنفيذ عمليات الاقتحام المتكرر للأقصى، صادقت حكومة نتنياهو على أكبر المشاريع الاستيطانية في المدينة المقدسة، وواصلت ورشات الحفر والتنقيب تحت أسوار القدس، بحثها عن آثار هيكل سليمان، وكل ذلك ضمن خطط مدروسة لتهويد المدينة، وتغيير تركيبتها الديمغرافية، وتحويلها إلى أغلبية يهودية، وتهويد معالمها العربية وآثارها، بما يخدم مخطط الاعتراف بها عاصمة أبدية للدولة اليهودية، وليجد المفاوض الفلسطيني نفسه أمام حقيقة نهائية لا خيار حيالها سوى القبول بالأمر الواقع، الذي لن تجد الأنظمة العربية مناصاً من الخضوع له، وهي التي أسقطت عن نفسها قداسة الشعارات، وأوجدت سياساتها القمعية والاستبدادية واقعاً جديداً، يتمثل في الانفكاك والتحلل ليس من قضية تهويد القدس، بل من القضية الفلسطينية كلها، على اعتبار أن معركة الحفاظ على السلطة هي الأهم، وبات ما نشهده اليوم دليلاً دامغاً على تأثيرات وتحولات السياسة العربية الرسمية، والأحزاب التي تشدقت بالمقاومة، وانتهت إلى السقوط والخيبة.بعنجهية واضحة تجاوزت إسرائيل ردود أفعال الأنظمة العربية، المنشغلة بمحاربة شعوبها أو التصدي للإرهاب، العاهل الأردني يعرف حدود قدرته، وهي لا تتجاوز مكالمات هاتفية مع زعماء عرب وغربيين، تنادي بضرورة أن يتخذ المجتمع الدولي مواقف حازمة لوقف الاعتداءات في الأقصى، ويمكن معالجة تداعيات هذه التصريحات، ما دام الثمن هو فرض الحقائق اليهودية فيه، وكذلك فعل العاهل السعودي فاتصل بقادة غربيين ليدعو من خلالهم إلى ضرورة تدخل مجلس الأمن لاتخاذ جميع التدابير العاجلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية ضد الأقصى، وليؤكد أن هذا الاعتداء ينتهك بشكل صارخ حرمة الأديان، ويسهم في تغذية التطرف والعنف في العالم أجمع.
لم يكن ممكناً لإسرائيل فرض التقسيم الزماني في باحات الأقصى، من دون إخراج المرابطين والمرابطات الفلسطينيين منه، والمدهش أن داعية سعودياً دعا المرابطات للعودة إلى منازلهن، خشية التعرض للتحرش، ولذلك قررت حكومة نتنياهو اعتبار المرابطين جماعة خارجة عن القانون، تسعى لتنفيذ أعمال إرهابية، والتورط في أعمال تحريض خطيرة ضد السياح والحجاج والمصلين اليهود، فبدأت محاولة اخراجهم من الأقصى، بالتزامن مع تكثيف محاولات اقتحام المستوطنين باحاته، عبر توقيت زمني يومي، ومنع الفلسطينيين من دخول الحرم حفاظاً على أمن المستوطنين، لكنّ تصدي المرابطين، كان أكبر من التقديرات الإسرائيلية، ما دفع العدو إلى زيادة جرعة اعتداءاته، وتكثيف عديد قواته الأمنية ومحاولة فرض خططه بالقوة، الأمر الذي بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، خاصة أن أعمال التخريب وحرق المحتويات وصلت إلى حد غير مسبوق.برغم صراخ حركات الإسلام السياسي من حماس إلى الجهاد، ومعهما كل التنظيمات التي فقدت بوصلة النضال، فإن التقاسم الزمني في ساحات الأقصى تم أو يكاد، أسوة بما جرى في مسجد إبراهيم الخليل، وهو ما بات واقعا يعترف به الجميع تماما كما الاحتلال، الذي يتوسل له العرب عبر مبادرة للسلام تعترف به، وتتقاسم معه ما يستغني عنه من الأرض، وتستجديه السماح لبعض اللاجئين بالعودة، واليوم أهل القدس وحدهم يقاتلون مخططات الاحتلال، ويشاركهم أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل، وإذا شئنا مواجهة الحقيقة، فإن المشكلة تتمثل بعدم وحدة الحركة السياسية الفلسطينية، وتمزقها وشرذمتها وانحدار مستوى التعامل السياسي والتفاهم الجبهوي بين مكوناتها، وهكذا فإن الحرب على القدس والأقصى والمقدسات، تبدو حرباً مفتوحة، مع سيطرة اليمين المتطرف، وتعزيز المستوطنين لنفوذهم في مؤسسات الحكم وصنع القرار، ويتجلى ذلك بالإصرار على يهودية الدولة، وفي سلسلة التشريعات القائمة على هدف التهويد، ومن ذلك يتضح أن معركة الأقصى لا يمكن لها أن تتوقف، بتفاهمات هي أقرب إلى «الهدنة» كتلك التي رعاها جون كيري في عمان، وترتبت عليها التزامات إسرائيلية بوقف التعديات والانتهاكات، واحترام الرعاية الهاشمية للمقدسات.
الأمم المتحدة تحركت لتعلن أن المواجهات في الاقصى قد تشعل أعمال عنف في المنطقة، وحذر الاتحاد الاوروبي من أي استفزاز، مكرراً دعوته إلى الحفاظ على الوضع القائم في المسجد. بينما طالب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الاتحادين البرلمانيين العربي والاسلامي بعقد جلسة طارئة لبحث الوضع، كما دعا منتدى الفكر العربي الذي يترأسه عم العاهل الأردني، إلى عقد مؤتمري قمة عربية وإسلامية عاجلين، لبحث مختلف الخيارات، وناشد المسلمين كافة شدّ الرحال إلى الأقصى، ودعا إلى إجراءات عاجلة للحيلولة دون جرّ المنطقة إلى حرب دينية خاسرة للجميع، من شأنها أن تشعل العالم بالعنف والتطرف والإرهاب.
الأقصى ومرابطوه يخوضون حرب الدفاع عن مقدساتهم، ولا ينتظرون العون من الزعماء العرب المنشغلين بحرب الدفاع عن مواقعهم، ولا من الشعوب العربية التي تبحث عن بقعة أمان في مواطن الهجرة واللجوء.

