Feature

عارف الساعدي 
مرة كنتُ أصور برنامج «بين جيلين» فاقترحنا ان نذهب الى المحافظات لنصور همومهم عن قرب فكانت «النجف» احدى محطاتنا للتصوير، عملنا لتسجيل حلقة عن هذه  المدينة العريقة. 
«بين جيلين» يقتضي وجود أربع شخوص كبار في السن، ومثلهم شباب، طبعا كان في الجيلين مجموعة من أبناء النجف الذين يُسمَون بـ «ولد ولاية» وآخرون من أبناء القادمين إليهم، والذين يُسمَون بـ «البرانيين» حتى لو نزحوا الى النجف منذ 200 سنة يُسمَون بهذا الاسم، المهم بدأنا بتصوير الحلقة بشق الانفس، لأسباب عديدة، ليس هنا محل ذكرها.
كان في الجيل الاول دكتور نجفي «ابن ولاية»، تحدث عن خراب المدينة، لكنه أرجع سبب هذا الخراب بأنها أصبحت «لملوم» بسب الوافدين إليها، وطبعا أغلب الوافدين هم أبناء «الجنوب» وكان في جيل الشباب دكتور شاب، من أبناء الجنوب النازحين للنجف، ولكنهم منذ أكثر من خمسين سنة وفدوا عليها، ردَ عليه ذلك الشاب قائلا : يادكتور من غير المعقول أنَ المدينة لا تستوعب القادم، ولا تصهره بثقافتها، ويبقى بعيدا عنها ولم تكف كل هذه السنوات ليكون إبنا شرعيا لها.
تدخلتُ لحظتها لفك الاشتباك ولكنْ باشتباك آخر، وقلتُ للدكتور المسن إنَ أيَ مهاجر إلى أي بلدٍ أوروبي، أو أميركي، يبقى في البلد من أربع إلى خمس سنوات يُمنح بعدها الجنسية والجواز، ومن الممكن أنْ يُرشحَ للرئاسة.
المهم لم نخرج باتفاق حول هذا الجدل القديم الجديد، الذي يصنِف – من خلاله ــ  العراقيين (ابن ولاية ـــ برَاني).
ويبدو ان هذا التقسيم الطبقي لا يختص بالنجف، بل بالعراق جميعه، فبغداد تنظر للقادمين إليها من الجنوب بأنهم سبب خرابها.
وأبناء مراكز المحافظات جميعا ينظرون إلى القادمين من الأقضية والنواحي بأنهم سبب خراب مدنهم وترديها، فيما ينظر أبناء الاقضية والنواحي بأن أبناء القرى والارياف سبب خراب مدنهم الصغيرة، وهكذا تُدوَر المشكلةُ، والكل يرمي الكل بالتهم وخراب الذوق العام، وبنبرة التعالي الممارسة على البسطاء، ناسين ان العزلة هي المرض الاكثر شعورا بالعظمة، فكلما انعزل الفرد شعر بأنه عملاق، وعظيم ، وكلما انعزلت المدن أحست بأنَها محاصرة لأنها عظيمة، وكلما انعزل دين ما، أطلق على نفسه بأنه عظيم.
تلك هي العزلة أيها الأصدقاء كلما حاصرتنا أنفاسها طاردناها بكبرياء مجوف، ولكن كلما اختلطنا مع المختلف معنا، سنكتشف حقيقة ذواتنا التي هشمتها العزلة، لهذا نسمع بين مدة واخرى حديثا لمسؤول يسخر من بنات المدن، معتقدا انه الصحيح دائما، أنا شخصيا أعذره لأنه يعيش عزلته، ولكنها ــ للأسف ــ ليست كعزلة «حسب الشيخ جعفر» حين كتب «رباعيات العزلة الطيبة».

التعليقات معطلة