د. سعد العبيدي
عندما ينطق سفير لدولةٍ أجنبية، دولةٌ هي عظمى بمقاييس السياسة ومستلزمات القوة في دوائر الصراع، فإنه لا ينطق عن الهوى.
وكل كلمة يقولها تكون محسوبة وموزونة لأنها تحسب ويحسب هو تفسيرها، وآخر ما نطق به السفير البريطاني في العراق في جولته الكربلائية، كان كلاما عن أجهزة كشف المتفجرات، وبين أن جميع المسؤولين البريطانيين المعنيين بالصفقة هم حاليا في السجن لمخالفات ارتكبوها.
إن كلام هذا السفير لهذه الدولة الكبرى، لا يحتاج الى تفسير ولا يتحمل بحد ذاته أي تأويل وان كان في واقعه
يحمل أكثر من رسالة أراد السفير التعبير عنها وايصالها الى العراقيين.
ومن بينها أن الجهاز الذي أتهم صانعيه وبائعيه بالغش وقد حوسبوا على غشهم هذا، لا يصلح – بما هو عليه – لفحص المتفجرات أو موادها في نقاط السيطرة والتفتيش، واذا ما كان أهل الشأن والعديد من الخبراء الفنيين والقانونيين يقولون هكذا، فالسؤال الواجب طرحه هنا على مسؤولينا هو: لماذا لا يزال الجهاز عاملا ويعول عليه في التفتيش؟.
سؤال محيّر لم يُجب عليه أحد في العراق الذي لم يتعود غالبية مسؤوليه على الإجابة على الأسئلة.
خاصة وان أحد المعنيين العراقيين بالصفقة التي اتت بالجهاز، السيد نهاد الجابري قد عوقب هو الآخر أيضا وموجود حاليا في السجن، الامر الذي يثير الاستغراب ذا الصلة بالاستمرار أو الإصرار على استخدام هذا الجهاز.
وهنا يمكن القول بأنه في حالات العجز عن إعطاء تفسير مادي للموضوع، لم يتبق لنا إلا التفسير النفسي، وفي خضم هذا التناقض والإصرار أرى ان من الصعوبة أيضا إعطاء تفسير نفسي قاطع لهذا الموضوع الحيوي.
ومع هذا لا تمنع الصعوبة من الإشارة الى طبيعتنا النفسية التي تنحو منحى الإصرار على الفعل وعدم مراجعة الذات لتصحيح الخطأ في مجاله. وقد يصح هذا الاستنتاج أو التشخيص الذي ينسجم مع مخرجات الإدارة العامة للسياسة في العراق التي تؤشر وقائعها أنها ومنذ أكثر من خمس عقود باتت جهاتها تخطأ وتستمر على الخطأ، بل وتعاقب من ينبه إليه.
وتؤشر أيضا الى أن في داخلنا ميلا الى عدم تحمل المسؤولية لتصحيح الخطأ وإن كنا ندرك أنه خطأ، بسبب الخوف من النتائج الجانبية للتصحيح. إن الجهاز الذي أراد السفير البريطاني التنبيه الى أخطائه التي إذا ما صح وجودها، فإن استخدامه يصبح مضراً بمستوى يفوق الفائدة كثيرا.
خاصة وان المستخدم عادة ما يركز على الجهاز في نظره ومتابعته ويترك الجالسين في السيارات التي تعبر وجوههم وردود فعلهم عن إشارات يمكن أن تفيد في التشخيص اكثر من جهاز يتحرك على غير هدى.

