Pdf copy 1

ناظم محمد العبيدي 
أبسط تعريف للجنون من وجهة نظر أولية هو الانفصال عن الواقع والانهماك بالذات، والعجزعن فهم معطياته البديهية التي بدونها يصبح العالم فضاء مفتوحاً يتسع لكل المستحيلات، وهذا ما يجعل الجنون باباً للدخول الى عالم الأحلام، يمكن ملاحظة هذا لدى الأطفال والأدباء والفنانين، لكنه لا يعد هاهنا حالة مرضية بسبب طبيعة الوعي الطفولي الذي يجهل منطق الواقع فيستسلم للمخيلة، وحاجة الفنان والأديب الى الخروج عن الواقع ومحدداته بطريقة فنية، لتلمس مواطن الجمال في عوالم اخرى تمنح الدهشة ومتعة الاكتشاف للمتلقي في الأعمال الفنية والنصوص الأدبية.
الا أن الإنفصال عن الواقع خارج براءة الطفولة وحلم الفن والأدب يكون جنوناً خطيراً، حين يوظف كما يحدث لدى التنظيمات العقائدية لأغراض سياسية تستخدم فيها الجريمة والتدمير كوسيلتين للتمرد على قوانين الواقع لصالح اوهام تاريخية تتناقض مع الرؤية العلمية والواقعية اللتين تتحكمان بطبيعة الحياة وتفاصيلها السياسية والإجتماعية والاقتصادية.
 ما يحصل لدى هذه التنظيمات هو تحول الدين الى مجموعة احكام قاطعة غير قابلة للنقاش او المراجعة، مع أن الكثير منها وبإجماع الكثير من العلماء منذ قرون خلت لم تعد صالحة للتطبيق في عالمنا المعاصر، وهذا ما يقودها بالضرورة الى تكفير الآخر حتى داخل المذهب ذاته، مستندة الى رؤية قاصرة غير قادرة على فهم الدين وتأويله بطريقة متوازنة، مع ان لديها الكثير من الخيارات التي يمكن أن تحول الدين الى نشاط ايجابي لا يقسر أحداً على فهم معين، او اقتراف كل هذه الجرائم التي قدمت اسوأ صورة عن الإسلام في العالم كله.
إن قراءة عاجلة في كتب التراث تثير الكثير من الأسئلة حول هذه الجماعات الإرهابية التي تجاهلت جميع التأويلات الدينية التي تدعو الى التسامح والتعايش مع الآخر، واختارت أشد التأويلات المتخلفة منهجاً، واضافت لها لأغراض سياسية وشخصية فتاوى أفرغت الإسلام من مضمونه الإنساني المتعلق بجانبه الفكري والحضاري، كما قرأناه لدى علماء وفلاسفة وادباء لا تزال كتبهم تطبع وتنشر، سبق بعضهم زمنه واصبح مثار اعجاب من الباحثين والمهتمين بتاريخ الفكر والحضارات.
إن ما يجري اليوم عندنا من عنف يمارس باسم (الخلافة) هو جنون حقيقي يجري خارج التاريخ ليس من باب المبالغة والاستهجان، فليس ثمة من يؤمن بدولة خلافة الا اشخاص يعانون من مشكلات نفسية وثقافية، والا كيف يمكن فهم هذا الجنون الجماعي الذي تعدى دول المنطقة فوصل الى الغرب ليجلب المقاتلين الأجانب والعرب، لينتحروا أو يقاتلوا الناس داخل العراق وخارجه؟. 
ان جنون هتلر واحلامه التي تسببت بقتل الملايين وتدمير بلدان بأسرها كانت اكثر تواضعاً من احلام هؤلاء الإرهابيين، فكل ما أراده هتلر – كما ذكر في كتابه «كفاحي» – هو توسيع المانيا لأنها لن تتسع للأجيال القادمة!.
فما أشد التقارب بين عقول المجانين مهما اختلفت اسماؤهم وعناوينهم، فهم جميعاً يسعون الى غاية عظيمة لا يمكن تخيلها، غاية تدمر كل شيء في طريقها، وترفرف فوق رؤوس حامليها رايات سود، تنبئ عن حلكة عقولهم والجنون الذي يصرخ في نفوسهم لارتكاب المزيد من الجرائمَ.

التعليقات معطلة