حازم مبيضين
لم يكن مُنتظراً أن يخرج المجتمعون في فيينا لبحث الأزمة السورية باتفاق على كل النقاط، وكان كافياً التوصل إلى نقاط توافق وخلاف، بعد بحث المواضيع الأصعب، وأبرزها دور الأسد في العملية السياسية، والحكومة الانتقالية المزمع تشكيلها في الأشهر المقبلة، وكان واضحاً الاختلاف حول مستقبل الأسد، وهو اختلاف تشترك فيه أكثر من جهة رغم الاتفاق على عدد من النقاط، خصوصا حول الآلية الانتقالية وإجراء انتخابات وطريقة تنظيم كل ذلك، ودور الامم المتحدة التي ستشرف على الاتصالات الدولية اللاحقة حول سوريا، على أرضية اتفاق الجميع على العمل من أجل حل سياسي للنزاع، واختلافهم حول مصير الأسد.
غاب السوريون نظاماً ومعارضة عن اجتماع فيينا، وناب عنهم الداعمون، وبات واضحاً أن المجتمع الدولي يسير باتجاه إنجاز اتفاق دولي إقليمي، يُفرض على السوريين عبر نوع من الوصاية الدولية، تُلغي مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، فقد اتفق المجتمعون على مطالبة الأمم المتحدة برعاية اتفاق لوقف اطلاق النار، وجمع ممثلين عن النظام والمعارضة، لبدء عملية سياسية تسمح بإعداد دستور جديد وإجراء انتخابات بمراقبتها،
مع الحفاظ على حقوق جميع السوريين بصرف النظر عن معتقداتهم وقوميتهم، وأكدوا على محاربة داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، ومنعهم من الاستيلاء على السلطة.
جاء مؤتمر فيينا بعد سقوط فكرة إسقاط الأسد أو بقائه للأبد بالقوة، ليتبنى خيارات أخرى، تمنع التقسيم وتفضل عليه تقاسم النفوذ والمصالح، بعدما شهد العامان الماضيان تطورات خطيرة هددت دول الجوار، وبعد اقتناع طهران بعدم جدوى مواصلة الحرب دفاعاً عن الأسد، وبعد إحساس تركيا بخطر امتداد الشرر إلى داخلها كُردياً وعلوياً وحتى داعشياً، وبعد اقتناع السعودية بعدم قدرتها على إطاحة الأسد، وإدراك العراق بأنه سيكون الخاسر الأكبر، خصوصاً بعد اجتياز داعش حدوده الغربية، وبعد غزو اللاجئين لأوروبا، مع ما يرافق ذلك من مخاطر تسلل إرهابيين إلى أراضيها، وبما يعني أن لا أحد بعيدا عن تداعيات الأزمة التي انفلتت من كل عقال.
نحن اليوم أمام شرق أوسط جديد تنتفي فيه قدرة السعودية على ممارسة دور قيادي في المنطقة، بديلاً عن مصر وسوريا والعراق، وتختفي منه أوهام إيران بالقدرة على السيطرة المذهبية، وتخسر فيه تركيا أردوغان أحلامها بقيادة الإخوان المسلمين للسيطرة على مستقبل المنطقة بعد أن قدمت نموذجاً اقتصادياً ناجحاً، بينما عادت روسيا لممارسة دورها كقوة عالمية، بتدخلها العسكري المباشر في الأزمة السورية، ما يعني عملياً أننا نعيش زمن التسويات التي تحافظ على مصالح الجميع، وتؤسس على توازنات القوى بينهم، وبحيث يشعر كل واحد بأنه ربح شيئاً من التسوية، فينخرط فيها راغباً بإنجاحها.
قبل اجتماع فيينا كانت التسريبات تتحدث عن حل سلمي للأزمة، على أساس انتفاء أي دور للأسد في مستقبل سوريا، غير أن موسكو نفت تقديم أية ضمانات بأنه لن يترشح لولاية جديدة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأشارت إلى جهود جماعية تبذل حالياً لإيجاد مخرج سياسي، بينما تعمل بنشاط للقضاء على خطر الإرهاب، بموازاة نشاطها على مسار دعم التسوية السياسية، ولعل في كل هذا الحراك المحموم، ما يشي بتقلص مساحة الخلاف بين الأطراف الإقليمية والدولية حول عناوين تفصيلية محددة للغاية، لكن واشنطن دعت ايران للمشاركة في البحث عن الحل ليس لسواد عينيها، وإنما لمواجهة ازدياد النفوذ الروسي.
قبل اجتماع فيينا وربما تحضيراً له كانت هناك مبادرة روسية تتحدث عن حكومة ائتلافية، تضم النظام وبعض المعارضة على أن لا تمس مقام الرئاسة، ويمكنها التمتع بجزء من صلاحيات الرئيس، دون التفصيل حول فترتها الانتقالية ومن هي بالتحديد المعارضات المشاركة فيها وما هي المهام الموكلة إليها، ويروّج البعض أن موسكو تسعى لإنشاء مجلس عسكري يعيد هيكلة الجيش وتنظيمه، عبر سحب بعض صلاحيات الأسد ونقلها إلى هذا المجلس، ويبدو أن ذلك شجّع أطرافاً خارجية كثيرة على دعم هذا التحرّك الذي يحافظ على الدولة المركزية ويستبعد تقسيم البلد، عبر اللجوء إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب حيث أن الجميع قاتل وصمد وحقق ما يستطيعه.
مؤكد أن ما بعد اجتماع فيينا ليس كما قبله، ولعله اليوم يمثل المرجعية الجديدة للحل، ورغم أنه انتهى بعناوين قابلة لتفسيرات متباينة، الا أنه وضع خارطة طريق تؤدي إلى سوريا موحدة وعلمانية، دون حسم مصير الأسد، فقد تركه معلقاً إما إلى الاجتماع القادم أو للسوريين الذين سيحددون مصير بلدهم من خلال عملية سياسية بإشراف أممي، بعد اقتناع الجميع باللجوء لحلول وسطية، تحافظ على وحدة وعلمانية سوريا ومؤسسات الدولة فيها، ويبدو أن قطار الحل انطلق حاملاً من محطته الأولى كل المعنيين، على أن يلتحق به السوريون نظاماً ومعارضة في محطته المقبلة.

