ندريس أوبنهايمر
الأداء المميز لـ«موريسيو ماكري» زعيم المعارضة من يمين الوسط في الجولة الأولى من انتخابات الأرجنتين، التي جرت في 25 أكتوبر يمثل زلزالًا سياسياً بصرف النظر عمن سيفوز بجولة الإعادة يوم 22 نوفمبر. وهذا الزلزال سيضع نهاية لـ 12 عاماً من الحكم الشعبوي «اليساري»، وربما يؤثر كثيراً على دول أميركا الجنوبية الأخرى. وفاجأ «ماكري»، وهو رئيس بلدية «بيونس أيريس» الجميع ليس فقط بوصوله إلى جولة الإعادة ضد المرشح المدعوم من الحكومة «دانيل سيولي»، لكنه فاز أيضاً بمحافظة «بيونس أيريس» العملاقة التي يسكنها 37 في المئة من ناخبي البلاد، والتي ظلت لما يقرب من ثلاثة عقود في أيدي حزب «سيولي البيروني- نسبة إلى الرئيس الأرجنتيني السابق الجنرال «خوان دومينجو بيرون»، وفاز «ماكري» أيضاً بمعظم أكبر محافظات البلاد الأخرى.
وبالإضافة إلى هذا، فاز «ماكري» ومرشح المعارضة الآخر «سيرجيو ماسا» بما يكفي من المقاعد في البرلمان للقضاء على الأغلبية المطلقة في مجلس النواب التي يتمتع بها الرئيسة «كريستينا فرنانديز دي كيرشنر»، والأهم من هذا أن «ماكري»، بتفوقه على معظم تنبؤات استطلاعات الرأي، حصد زخماً سياسياً كبير. فهو يدخل السباق في جولة الإعادة كما لو أنه فائز. وكانت استطلاعات الرأي قد توقعت تخلفه عن مرشح الحكومة بنحو عشر نقاط، وتوقع كثيرون فوز «سيولي» بالانتخابات في الجولة الأولى. لكن «ماكري» جاء في المرتبة الثانية بفارق صغير وكاد يعادل «سيولي» في الأصوات مما يغذي التكهنات بأنه سيكون قادراً على حصد ما يكفي من أصوات مؤيدي مرشحي المعارضة الخاسرين ليفوز بالانتخابات في الجولة الثانية.
وسلوك «ماكري» و«سيولي» ليلة التصويت في الجولة الأولى يكشف عن كل شيء. فقد ألقى «ماكري» المتألق ما قد يرقى إلى خطبة إعلان النصر سادها السلام والحب ودعوة إلى المصالحة الوطنية. وظل يكرر كلمة شكراً مرات أمام جموع المواطنين. لكن سيولي على النقيض بدا رجلاً غاضباً متجهماً، وحذر الأمة من عواقب وخيمة، إذا غيرت البلاد نهجها. ويواجه «سيولي» حالياً تحديات هائلة. فإذا انتقل إلى الوسط لتوسيع قاعدته فسوف يغامر بفقدان دعم الآلة السياسية الشعبوية ليسار «فرنانديز»، وإذا انتقل إلى اليسار ليضمن الآلة السياسية للحكومة على الجانب الآخر، فلن يفوز بكثير من الأصوات التي يحتاج إليها لتوسيع هذه القاعدة.
ومما زاد الطين بلة أن العلاقات بين الرئيسة التي توشك ولايتها على الانتهاء و«سيولي» لم تكن جيدة، وأصبحت أسوأ بعد انتخابات يوم الأحد الماضي. وألقى الجانبان بمسؤولية ضعف النتائج في الانتخابات على بعضهما البعض. وأقر مسؤولون من الحكومة بتصاعد التوترات في دوائر الحكومة. ويرى «سيرجيو ماسا»، الذي حل ثالثاً في انتخابات الجولة الأولى أنه «إذا أراد مرشح الحكومة أن يكون رئيساً، فعليه التوقف عن التصرف مثل أحد موظفي كريستينا فرنانديز. ولا يؤيد «ماسا» أياً من المرشحين في جولة الإعادة، لكنه أكثر انتقاداً لـ«سيولي» عن «ماكري»، ومعظم الكتلة التي صوتت لصالح «ماسا» تعبت من الفساد المتفشي في حكومة «فرنانديز»، وسوء الإدارة وطريقة الحكم السلطوية. وذكر مصدر مقرب من «ماسا» مطلع على استطلاعات الرأي الداخلية أن أنصار»ماسا«من منتقدي الحكومة سيصوتون لصالح ماكري بهامش يزيد على اثنين إلى واحد.
وهذا لا يعني أن انتصار المعارضة أمر مفروغ منه لأن كثيرين من أنصار «ماسا» من «البيرونيين»، مثل «سيولي»، من الذين يمكن استقطابهم بحملة تصور «ماكري»، باعتباره مرشحاً يمينياً سيعصف ببرامج الرعاية الاجتماعية. وذكر مصدر من حملة ماسا أن هذه رسالة قد تؤتي أوكلها لدى كثير من الناخبين في الأرجنتين. واستراتيجية سيولي في مناظرة مرتقبة مع ماكري ستركز على الأيدولوجية يرسم فيها صورة منفرة لمنافسه على أساس أنه مرشح الأغنياء. وستركز استراتيجية ماكري في المقابل على سجل الحكومة في الفساد وسوء الإدارة وإساءة استخدام السلطة والتدهور الاقتصادي ليصور سيولي، باعتباره ممثلاً للحكومة.
انتخابات الأرجنتين ستصبح خياراً بين الاستمرار والتغيير في بلد لا يحقق نمواً اقتصادياً تقريباً. ورسالة «ماكري» للتغيير قد تكون الأكثر جاذبية. ولن يستطيع «سيولي» الفوز، إلا إذا غير خطابه، ونأى بنفسه عن الحكومة. ومهما يكن من أمر النتيجة، فما يحدث يبدو كما لو أنه نهاية لدورة اليسارية الشعبوية في الأرجنتين.

