Pdf copy 1

علي سعدون 
لا علاقة لهذا المقال بالاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الاميركية او ما يطلق عليه في الادبيات السياسية  مجموعة (الدول الخمس زائد واحد) ، على الرغم من ان المعطيات كلها تشير الى انه سيمهد بخطواته القادمة لمثل هذه النتيجة ، وانه سيصب في تحقيق نوع من السلم الاقليمي والدولي ، هكذا تشير العديد من التحليلات السياسية المحلية والدولية التي احتفت كثيرا باتفاق كهذا وهو مهم وحيوي ويعد منعطفا كبيرا في اعادة تنظيم علاقات الشرق الاوسط بمحيطها العالمي .. اقول لا علاقة لهذا الموضوع بالاتفاق النووي ، ولا علاقة له بإدارات اوروبا التي سرعان ما تتغير رأسا على عقب بعد كل انتخابات تحصل هناك ، بقطع النظر عن سياسات اوروبا الثابتة على نحو ما ، وان التغيير الذي يطرأ على فعالية معينة او ازاء حدث معين لا يمكن عده تغييرا حقيقيا بسبب من رسوخ التقاليد التي تعمد الى دراسة الواقع الدولي وتضع احتمالات مجابهته قبل فترة طويلة ، بسبب من بعد النظر الذي تتمتع به مؤسسات القرار الاوروبية ، الامر يلمسه المتتبع لإجراءات تلك الادارات وردود فعلها حيال ما تعصف به الحروب والأهوال والأحداث الجسام .، ولنا في التاريخ الاوروبي الحديث شواهد لا تحصى عن سياسات ثابتة وإدارات متغيرة على الدوام .
لقد جرت العادة في الفهم الكلاسيكي لموضوعة السلم العالمي من خلال اعادة قراءة التداعيات التي تنشأ عن توتر العلاقات وسخونتها بين القطبين الكبيرين اللذين يهيمنان على مقدرات العالم ولعقود طويلة وهما الولايات المتحدة الاميركية والمعسكر الغربي من جهة ، والاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي من جهة ثانية ، حيث ان تحقيق السلم العالمي لن يتم إلا بما تفيض به قرائح انسانية هاتين الدولتين او هذين المعسكرين .، وهي قراءة قديمة للغاية ولن تبعث لنا ببراهين فقدان السلم العالمي الذي نعيشه اليوم ، بسبب من اختلاف المعادلة التي لم ترم الى استبعاد الاقطاب الكبرى من المعادلة بطبيعة الحال ، وهي راسخة وباقية الى امد بعيد ، لكنها ستؤكد اختلافها بدخول مؤثرات جديدة تلعب دور القطب الكبير بمعنى من المعاني .. فعلى سبيل المثال ان بمقدور دولة صغيرة مثل (قطر) وهي خارج الحسابات العالمية على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري ، ان تطيح بعروش دول راسخة في المنطقة مثل جمهورية مصر العربية – على سبيل المثال لا الحصر – ابان الثورة على نظام حسني مبارك ، او لنقل ان باستطاعتها المساهمة بإسقاطها الى حدٍ بعيد ..والكلام ذاته سينطبق على قدرات الجمهورية التركية وموقعها الجغرافي المميز مع التأكيد على فوارق القدرة والتأثير لكل منهما .. فضلا عن امكانيات اسرائيل (القديمة الجديدة) في التأثير المباشر على استقرار وتحول مجريات السلم العالمي بالغ الاهمية الى  اكثر من اتجاه ، بل وبإمكانه ان يشغل الرأي العام العالمي عن اية كوارث اخرى في العالم بسبب ما يملكه هذا الكيان من ادوات التخاطب الهائلة كوسائل الاعلام الدولية والمنظمات الكبيرة التي تسير وتعمل بادارته وبتوجيهه .  ان تحقيق السلم العالمي واستقراره لم يعد منوطا باتفاقيات الدول الكبيرة وهدوء او فتور صراعاتها مع بعضها فحسب، بعد ان ادركت هذه الدول ان موجبات استقرارها (القديمة) لن تكون في مأمن اذا ما ارتكنت لقدراتها العسكرية والاقتصادية فقط ، إذ ثمة خطاب عنفي تتصاعد وتيرته في الشرق الاوسط يمكنه ان يتشظى ويصل الى عمق مفاصلهم ، وهو قد تشظى بالفعل في مناسبات عديدة، على الرغم من انه لم يشكل ظاهرة لديهم ، لكنه سيسعى الى تحقيق ذلك وفق المعطيات التي تشير اليها دراسات مراكز البحوث الستراتيجية في العالم .. وبالتالي فان الجميع في مرمى الخطاب العنيف الذي يتشكل اليوم بدافع من القوى الخبيثة والمدمرة التي لن تهتم بقيم اجتماعية او سياسية راسخة وعظيمة ، بعد ان وجدت لها جيوبا سرية للتمويل والتسليح والدعم ، وبعد ان ايقنت هذه القوى ان اختراق السلم العالمي يمكنه ان يجد طريقه المعبدة إذا ما ظلت مؤسسات الاعتدال الديني على سبيل المثال ، في سبات خطابها الخجول والكلاسيكي والانغلاقي وقد تركت النخبة (العلمانية) من مفكرين وسياسيين وأدباء وكتاب ،  تخوض في نقد الخطاب الديني المتشدد لوحدها ، وبفرص الاقناع الهشة التي يمثلها مثل هذا الخطاب .. وهو خطاب مكرور وينسخ بعضه بعضا ولم يعد يمتلك القدرة الحقيقية والقوية على التأثير في المجتمعات المختلفة بسبب من عقائديتها بالغة التعقيد والتنوع ، لاسيما مجتمعات الشرق الاوسط على وجه الخصوص ، تلك التي ينتعش فيها الخطاب المشوه للعقائد الدينية ويفتر فيها الاعتدال او يتلاشى بسبب البنية المتخلفة التي ظلت ترزح المجتمعات تحت وطأتها لفترات طويلة وبضغط من المؤسسة التي تتبنى هؤلاء ، وتربت على اكتافهم كلما اوغلوا في تحدي المدنية والقوانين الوضعية والسبل الحضارية التي تنهض بالمجتمعات وتنتشلها من صلادة التخلف والبداوة الى افاق الحضارة الانسانية الكبيرة .. نعم لقد بات من المسلمات لدينا ان التخلف وتراكماته الهائلة صار مؤسسة مؤثرة وبالغة القوة بمعنى من المعاني بسبب من اتساعه وتشظيه في مفاصل كثيرة من حياتنا .، وانه لن يتوقف او يضعف ، ما لم يجد تصديا حقيقيا تسهم فيه مؤسساتنا الكبرى الدينية والأكاديمية والثقافية، على الرغم من المشكلات الكثيرة التي تعاني منها هذه المؤسسات وتحد من حراكها الحقيقي الذي ينبغي له ان يسود ويتفاعل في مواجهة هذه التصدعات المتضخمة التي تتيحها صلادة التخلف وبلادته بطبيعة الحال .  ان التصدي والخوض في ترسيمة الاعتدال وبثها على نحو واسع  ، وربطها بالمنتج الحضاري الانساني ، صار من موجبات تحقيق السلم العالمي الذي ينبغي له ان يتحقق في مجتمعاتنا باعتبارها وريثة للحضارات المتنوعة والمختلفة ، وإلا ماذا يعني ان يضطرب العالم وينهار امنه واستقراره ، ويستبد به العنف والصراع على هذا النحو المخيف والمروع فيشغل هذه المساحة الشاسعة من الارض ونحن نخوض في القرن الحادي والعشرين من عمر الانسانية وما انتجته من تراكم حضاري وإنساني ، إذ سيفترض المنطق ان تأثيرات هذا التراكم  تتصدر متن العلاقات الدولية والإقليمية ، مثلما عليها ان تكون الباعث الاول والجوهري على تحقيق السلم العالمي  ، وليس العكس بطبيعة الحال .. وان تغول الحركات المشوهة والفارغة من محتواها الانساني يجب ان يتوقف دونما رجعة بسبب من بشاعته ورؤيته المعتمة .

التعليقات معطلة