Pdf copy 1

(لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل)

الإمام علي

في حادثة “الحويجة” ظهر موقفان واحد يصمت عن الحق, والآخر يقول بالجهل.

ولهذين الموقفين تأسيس رافق ظهور الاحتجاجات في المنطقة الغربية, وهذا التأسيس يغترف من ثقافتين طارئتين على المنطقة الغربية أحدهما “ثقافة التكفير الوهابي المأزوم بالدم والقتل بلا خيار أخر” و”ثقافة البعث العراقي المأزوم بالمكر وخيانة الآخر في سبيل السلطة ونتيجة حضور موجة الإعلام التحريضي المدعوم بأدوات التبعية الموالية لسلطة المحور التوراتي المتفرد بانتهاك حقوق الإنسان من فلسطين الى كوسوفو والصرب ومن أمريكا اللاتينية الى كوريا وبورما وأفغانستان والبحرين واليمن انتهاء بسورية التي أصبح شعبها ضحية المكر الأمريكي الأوربي الصهيوني المتشفي غيضا وانتقاما من المنطقة والعراق بشهادة اليهودي مايكل مايس وأفرام ونعوم تشومسكي صاحب الاستراتيجيات العشر لإحكام السيطرة على الشعوب, والتي أصبحت احتجاجات المنطقة الغربية المفتعلة مثالا عمليا على تلك التطبيقات التي لم يلتفت إليها أحد بسبب وجود الساكت عن الحق, والناطق بالجهل وهم كثر من الذين ظلوا ينعقون بالجهالة حتى وقعت حادثة “الحويجة” ولم يتوقفوا عن تزويق الكلمات بالباطل, وتحريف الكلم عن مواضعه.

فالوزير الذي عرضت شهادته بعض الفضائيات وطبلوا لها: قال نصف الحقيقة وأعرض عن النصف الآخر وهو الأول الذي يشكل بداية صناعة الحادثة وراحت بسببها دماء بريئة لجنود وضباط السيطرة المجاورة لمسجد الحويجة الذي ألقيت فيه خطبة محرضة يتحمل صاحبها مسؤولية إراقة الدماء البريئة من منتسبي الجيش العراقي وهم من أبناء حويجة نفسها.

فالوزير الذي نعرفه وطنيا أخذته العاطفة واستولى عليه هول ما جرى لاحقا ناسيا مقولة الحق “البادي أظلم” وظل مسترسلا بسرد وقائع البحث عن المصالحة وتفادي سفك الدماء العزيزة على العراقيين جميعا, وسرده كان صحيحا, ولكنه لم يبدأ من حيث بدأ التجاوز والخطأ المقصود الذي أدى إلى ما حدث, فقتل الجندي العراقي وجرح ضابطين ونهب السلاح كان عملا عدائيا مقصودا وهو من الناحية الفقهية يسمى بالقتل العمد, والقصاص فيه معروف وديته معروفة, وهذا المشهد المؤسس لحادثة حويجة لم تسلط عليه الأضواء, وإنما سلطت وبكثافة وتحريض واضح على المشهد الثاني الذي وقع بعد خمسة أيام من الانتظار وإفساح المجال أمام من يريد وأد الفتنة, ولكن ذلك لم يحدث وظل الجناة مصرين على موقفهم في تحد للقانون وتمرد على الدولة حتى أصبحت مقولة “الحيف يدعو إلى السيف” وكنا نأمل من الوزير الذي أدلى بشهادته أن يذكر بداية الحادثة وكيف قتل الجندي وجرح الضابطان ونهب السلاح من السيطرة وهو مال عام, أما إغفال الوزير لبداية الحادثة فهو مما يقدح بشهادته وهذا مما لم نكن نتمناه له.

وتصريح أمين عام الحزب الإسلامي الذي نحترم بأن الجيش يقتل أبناءه هو الآخر لم يكن موفقا وجاء ليصب الزيت على النار لأنه سكت عن الحق ونطق بما هو دون الحقيقة, ومثل ذلك تتالت أقوال وتصريحات من كانوا وراء التظاهرات الاحتجاجية من الذين لا يدرون أين تمضي بهم موجات العنف المخطط لها في أقبية البنتاغون والموساد وداون ستريت والإليزيه.

أما الذين يحلوا لهم تكرار دعوات استقالة الحكومة ورئيسها, وفي الوقت الذي كنا ننبه على أخطاء الحكومة ونرفض ونعترض على مظاهر الفساد فيها وفي كافة مؤسسات الدولة, إلا أننا نرى ومن منطق فهم خلفيات الحدث في الحويجة وما قبل الحويجة من تظاهرات احتجاجية فقدت بوصلة الضبط والانضباط , والى ما قبل ذلك مما يلم بالحراك السياسي ومفرداته غير المتوازنة, من كل ذلك نرى بوضوح أن المسألة اليوم لا تنحصر في استقالة الحكومة أو رئيسها, وإنما المسألة في كيفية العمل على توازن العملية السياسية التي أصبحت لها ثوابت تغنينا عن الهوس والعبث وضياع البوصلة في التغيير, فالانتخابات مثلا مهما شابها من شوائب تبقى بابا مشروعة ومشرعة لتمرير التغيير الذي يطال الجميع من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب إلى كل مسؤول في الدولة وهذه قاعدة دستورية تخفف علينا أعباء التشتت والتفرق, وتقربنا من جمع الكلمة وتوحيد الصف في بلد غني بثرواته, ونريده أن يكون غنيا بأهله وغنى الأهل قبل كل شيء وبهذا الغنى تقدمت دول كثيرة لا تمتلك البترول.

إن محاصرة بعضنا للبعض الآخر كما يجري اليوم خصوصا بعد حادثة الحويجة وما جرى في ناحية سلمان بيك, وما جرى من تعرض واستهداف لأفراد الجيش والشرطة, وما جرى من تفجير مفخخات في بعض المناطق, إنما يدل بوضوح على غياب العقول القادرة على النظر بحكمة وتفادي الأسوأ, ونحن نعتقد جازمين بوجود العقول الحكيمة التي تحتاج إلى أعطائها الفرصة لتضيء الطريق حتى لا نبقى في عتمة يصنعها الجهل المطرود من رحمة الله والذي لا يحظى بثقة الناس.

أن الجميع اليوم يبحثون عن الحلول إلا قلة قليلة ممن هي أسيرة ثقافة التكفير الوهابي, وثقافة البعث العراقي الذي يعاني من إفلاس جماهيري، ولقد سمعنا بعض المتحدثين في بعض الفضائيات من ينكر وجود الإرهابي الوهابي في التظاهرات وفي العراق, وهذا شيء أن يدل على عقم بعض العقول وعدم قدرتها على مواكبة ما يجري في الشارع العراقي وما يجري من عمل وممارسات تكفيرية وهابية إرهابية لا تحتاج إلى دليل بعد أن وقع الحدث وأعترف الجاني بذلك والاعتراف سيد الأدلة.

إن الحدث العراقي غير منفصل عما يجري في المنطقة والعالم بل هو يكاد يكون المركز الأول الذي اختاره محور المخطط التوراتي ومن ينكر ذلك لا يفقه شيئا في السياسة واللعبة الدولية المستعرة من حولنا, ونحن نقول ذلك لا إلغاء للرأي الآخر كما يحلوا لبعض أصحاب التعليقات الذين يستغلون حرية الكتابة بلا رقيب, فلا كتابتهم مستوفية لشروط فن الكتابة ولا تعليقاتهم ملتزمة بالضوابط الأخلاقية, ويبقى الرأي ملكاً لمن يمتلك قواعد البيان ويعرف أسرار التحولات السياسية على قاعدة “اتقوا فراسة المؤمن فأنه ينظر بنور الله” والسياسة التي تخلو من نور الله هي عمياء عرجاء بكماء “صم بكم عمي فهم لا يبصرون” وتبقى البصيرة في القلب وهذا المستوى لا يدركه من لا يجعل مخافة الله قبل كل شيء وفوق كل شيء وبعد كل شيء “رأس الحكمة مخافة الله” ولو وجد من يفهم السياسة ويخاف الله ممن يتصدون للتظاهرات الاحتجاجية المفتعلة التي فقدت مبررات وجودها واستمرارها بهذا الوقت المعطل للعمل والإنتاج والمتباهي بالبطالة والتعنت المعتمد على المال الحرام الذي يأتيه من مصادر مشبوهة وأخرى معروفة الارتهان للأجندات الأجنبية, هذا التراكم المتنابز بالألقاب والمنشغل بالتشهير والتسقيط هو الذي أدى الى حادثة الحويجة التي يراد لها أن تصنع فجيعة عراقية يتعطش لها البعض ويحن لها البعض الآخر بوحي ثقافات التدمير التي أصبح لها مروجون مأجورون أفلحوا في المنطقة الغربية مؤقتا ولم يفلحوا في مناطق الوسط والجنوب بالرغم من شهيتهم المفرطة بالفتنة.

التعليقات معطلة