إنه عام 1951 على الأرجح حين رفضت إدارة مدرسة الفتوة في الكاظمية قبولي تلميذا في الصف الأول الابتدائي، كوني لم أكمل السادسة من العمر، إلا بعد وساطة قام بها (المعاون) في مركز شرطة الكاظمية، حيث تتجاور بنايتا المدرسة والمركز، ولا تفصلهما إلا بضعة امتار، ومع أهمية واسطتي (كان ضابط الشرطة يومها رمزا كبيرا من رموز القانون والسلطة، له هيبته واحترامه في المجتمع) إلا أن مدير المدرسة كان يحتكم الى ضوابط تربوية، لا يحيد عنها، ولا يستطيع احد التأثير على قراره، ولذلك اصر أن يختبرني، ويوجه لي عددا من الأسئلة، ويبدو انني اظهرت قدرا من (الشطارة)، حين كتبت أمامه اسمي الكامل، مثلما كتبت الأرقام من 1 ـ 30 بدون تلكؤ، (وتهجّيت) موضوعا من موضوعات القراءة الخلدونية بصورة صحيحة، والسبب في هذا النبوغ ليس عبقرية مبكرة أو ذكاء نادرا والا لأصبحت تاجراً وليس صحفياً، وانما لكوني (ختمت) القرآن الكريم عند (الملا) فضيلة، رحمها الله وكان شقيقي الأكبر يتولى تعليمي القراءة والحساب … وهكذا وافق المدير على الفور وهو في غاية السرور, وسجلني في الصف الأول (أ)، ونادى على (الفراش) الذي اصطحبني الى الساحة، لان تلاميذ الأول (ألف) مصادفة كانت لديهم حصة رياضة !
انه يومي الأول في المدرسة، ووقفت مع هؤلاء، كنت الاخير بالطبع، وكان معلم الرياضة الأستاذ جواد، رحمه الله يقف امامنا وفي مواجهتنا, وكان يريد اجراء نوع من تمارين الإحماء والحركة، ولكن بطريقة غير تقليدية تعتمد على اسلوب الحكاية، ولذلك قال لنا (نحن الآن في غابة، وهذه أشجارها) كانت ساحة المدرسة فيما تحتفظ به ذاكرتي، واسعة وتحيط بها عند الاسيجة مجموعة كبيرة من اشجار اليوكالبتوس المعمرة (ومع كل واحد منا حبل معلق على كتفه، وعلينا ان ننتبه جيدا، فهناك أسد يختبئ هنا في الغابة، وقد يهاجمنا في اية لحظة، وعندما يظهر عليكم أن ترموا الحبال بقوة الى الاشجار وتتسلقوا بأقصى سرعة) بالنسبة لي لا يمكن ان يكون المعلم كاذبا, والأسد موجود في مكان ما من الساحة، وهذا سبب كاف لكي افقد نصف عافيتي، وفكرت بالهرب ولكن الى اية وجهة والأسد غير معلوم المكان، وواصل حكايته (انتم لا ترونه بالطبع, انه وراءكم) وكلمة (وراءكم) تعني انه خلفي مباشرة فانا آخر الواقفين، وهكذا فقدت (النصف الباقي) من عافيتي، وواصل حكايته (انا وحدي أراه، وعندما يظهر سأقول لكم تسلقوا, ومن لا يرمي حبله او لا يتسلق بسرعة، فسوف يأكله الاسد), وما كاد ينتهي من حكايته, حتى صاح فجأة بأعلى صوته (جاء الاسد … تسلقوا)، ورمى التلاميذ حبالهم وراحوا يحركون ايديهم وأذرعهم وأقدامهم وأجسامهم بأسرع ما يمتلكون من طاقة وقوة، وكأنهم يؤدون عرضا مسرحيا، الا انا، لم اجد الحبل على كتفي وتسمرت أقدامي كما لو كانت أوتادا دقت في الارض، كان رأسي فقط يتلفت الى اليمين واليسار والوراء بحثا عن هذا الوحش الغدار، وأدرك المعلم محنتي فأسرع نحوي وهو يبتسم, من دون إشعار التلاميذ الآخرين، وهمس في أذني (لتخاف ابني … ماكو شي.. الاسد كذبة نضحك عليها) وساعدني في رمي الحبل والتسلق, وحررني من الرعب، ولكنني مازلت الى الآن اكره الاسد واخاف من غدره !!

