Pdf copy 1

قصي انسان عراقي بسيط يمشي ورأسه على الارض غالبا ،استحياء وخجلا ويكاد يتعثر في مشيته ،وهو باختصار واحد من اولئك الذين نطلق عليهم كلمة يمشي “ جنب الحيط “ ملتزما حكمة الصمت البليغ ، ونادرا ما سمعناه ينطق بكلمة او اخرى باستثناء التحية التي يوزعها على الجميع وهو يضع يديه على صدره مع انحناءة الرأس عنوانا للمحبة ودليل على التواضع وسمو الاخلاق . هذا الانسان جد واجتهد وكافح الايام والسنين الطوال حتى نال شهادة الكلية ليشق طريقة بعدها في عالم الاعلام يتعامل مع الكلمة يراقب سكونها وحركتها وموقعها ليصوب مسارها في ميدان اللغة ويصيغ الافضل بما يخرج المطبوع للقارئ سليما معافى من الأخطاء النحوية، مقابل راتب شهري زهيد يدفع نصفه للإيجار والباقي بالكاد يسد مصروف عائلته ،لم يحالفه الحظ في وظيفة حكومية مع انه خريج منذ عشر سنوات وأكثر ربما لأنه لا يملك واسطة ولو بسيطة ،وربما لأنه لا يملك القدرة المالية لياخذ ملفه طريقه السريع للوظيفة التي تؤمن له الحاضر والمستقبل ، لكنه مع ذلك يردد القول دائما الحمد لله “ انا احسن من غيري لان وجدت عملا ،بينما هناك مئات وعشرات الشباب يتوزعون الارصفة او تحتويهم المقاهي وأحلامهم يوما بعد يوم تتبخر”يقولها بهمس وفي نبرة حزن شفيف . قصي الذي يعيش كفاف يومه بالمؤقت والذي كثيرا ما يستلف اجرة الطريق لم يدخل حزبا ولم يناصر فريقا على فريق ،ولا حمل سلاحا ، ولا داهن احدا او تملق مسؤولا كان يكتفي بالدعاء “اللهم اكفنا شر الأشرار اللهم ابعدنا عن حريق الطائفية ، اللهم احم العراق والعراقيين ، اللهم انت من تقضي حاجة المحتاج “. هذا الشاب المكافح من اجل لقمة الخبز الحلال فجأة غاب عن العمل في الجريدة يوم ، يومان ، قلنا مريض وقلنا ربما طارئ حل بأمه العجوز وربما وربما هاتفناه ولا جواب وبحثنا هنا وهناك استبد بنا القلق من اختطاف او انفجار بموت مفخخ ولا جواب فما اكثر الأعمال الإرهابية وما أكثر الضحايا جراءها ،ليتبين لنا في ما بعد ان زميلنا موجود وهو بأمان عند الحكومة يقبع في زنازين التسفيرات وهو نزيلها منذ ما قبل عيد الفطر ولليوم بعد انزاله من سيطرة مشتركة للاشتباه بالاسم الثلاثي ومنذ ذلك الحين ولليوم المسكين ينتظر الفرج ، مر عيدان علينا ولا جديد في الافق ، فمازال القريشي الانسان البسيط الوديع الفقير العراقي الذي يسكن بالمؤقت في النهروان “ مدينة الفقراء والكادحين” خلف الجدران الرطبة يقاسي محنة الاشتباه بالاسم ،ومحنة زميلنا قصي القريشي قد تلخص محنة الكثيرين من المواطنين الضحايا الابرياء الذين مازالوا يقبعون خلف الجدران في الزنازين ولزمن ربما تجاوز الاشهر بسبب سوء حظهم العاثر. وخاصة اولئك الذين يحملون اسماء متشابهة وما اكثر تشابه الاسماء في بلادنا .

التعليقات معطلة