Feature

قبل عشرة أعوام زعمت أمريكا أنها غزت العراق حتى يعم السلام في ربوع الشرق الأوسط، وها هي اليوم تعترف على لسان وزيرة خارجيتها بتفاصيل المخططات المعادية للإنسانية، والتي استهدفت تدمير الشرق الأوسط برمته ونشر الذعر في أرجائه.
وقبل عشرة أعوام فقط زعمت أمريكا أنها ماضية في خططها التعبوية لاجتثاث بؤر الإرهاب وردم منابعها، وها هي اليوم تعترف على لسان (هيلاري) باحتضانها لخلايا الإرهاب ودعمها لها.
لقد كشفت هيلاري كلينتون في كتابها الجديد (خيارات صعبة) عن خيوط التآمر الأمريكي ومخططات التقسيم والتجزئة القائمة على التنافر الطائفي والتناحر العرقي في البلدان العربية. وسلطت الأضواء على تورط أمريكا في نشأة الميليشيات (الإسلامية) المتطرفة، وضلوعها في تدريبها وتسليحها وتمويلها وتوجيهها.
لا نريد التحدث هنا بالتفصيل الممل عن عناوين تلك المليشيات وأفكارها وأوكارها وتحركاتها، حتى لا نكون طرفاً في المهاترات العقيمة مع الذين انحازوا إلى تلك العناوين الغارقة في صناعة الموت والدمار. فالقوم على دين قادة ميليشياتهم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لكننا نلفت انتباههم إلى ضرورة قراءة هذا الكتاب من أجل الوقوف على الحقائق المرعبة المرتبطة بمصيرنا المظلم، ومن أجل الاطلاع على اعترافات هيلاري حول دور المخابرات الأمريكية في تهيئة الحاضنات الملائمة لتلاقح جينات الفكر التكفيري مع جينات الماسونية العالمية.
يتحدث الكتاب الذي جاء في أكثر من 632 صفحة عن حقبة سوداء في تاريخ السياسة الأمريكية، كانت هيلاري خلالها لاعبة أساسية في أروقة البيت الأبيض، ووزيرة للخارجية بين أعوام 2008 و 2013. كانت بالمرتبة (67) في تسلسل وزراء الخارجية منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، فتتحدث عن علاقتها بزعماء العالم والمواقف التي جمعتها بهم. تقول في كتابها: (نحن دائماً نقف في مواجهة الخيارات الصعبة)، ثم تعترف في مكان آخر بقولها: (أن الحكيم هو الذي يحسن اختيار الفرص، ويستثمر الظروف المؤاتية حتى لا يجد نفسه حائراً في نهاية النفق المظلم).
صدر كتابها في أواخر أبريل الماضي، وقد اصطف مئات الأشخاص في طوابير للحصول على نسخ موقعة بسعر 35 دولاراً، وتشمل الطبعة الأولى مليون نسخة. يتألف الكتاب من ستة أقسام تناولت الكثير من القضايا الداخلية والخارجية. يبدأ القسم الأول بلقاء هيلاري مع أوباما بعد خسارتها التصويت الداخلي للحزب الديمقراطي على بطاقة الترشح للانتخابات الرئاسية، وشغلها منصب وزيرة الخارجية في فريق أوباما بعد فوزه بالانتخابات.
ويتحدث القسم الثاني عن آسيا وقضاياها الشائكة، ويتناول القسم الثالث تداعيات الحرب في أفغانستان والباكستان، بينما يتناول القسم الرابع علاقات أمريكا بأوروبا وروسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وأبرز أحداث أوكرانيا والقرم.
أما القسم الخامس فهو الأكثر إثارة والأقرب إلى القارئ العربي، خصصته هيلاري للتحدث عن وقود (الربيع العربي) والفوضى العارمة التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واليمن، ودور أمريكا في تأجيج الاقتتال في سوريا، وأسرار السياسة الإيرانية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتحدثت في القسم السادس عن رؤيتها للمستقبل الأمريكي المبني على تفتيت أقطار الشرق الأوسط.
تقول هيلاري: (نحن نعمل من أجل أن يشعر الساعي إلى إجراء أي إصلاحات في الشرق الأوسط كما لو أنه يضرب رأسه بالحائط). لذا فأنها تضع التبريرات غير المنطقية لسياسة التمزيق والتجزئة، التي برعت فيها أمريكا باستغلالها النعرات الطائفية وتأجيجها وتوظيفها بالاتجاه الذي يضمن إعادة رسم خارطة المنطقة بخناجر التنافر الموروث منذ القرن الهجري الأول، حتى باتت الكيانات العربية مثقلة بالنكبات، ومرهقة بالحروب الداخلية المتوالية، من دون أن تدرك ما فعلته بها حملات التضليل والتشفير.تقول (هيلاري): أنها قامت بجولات مكوكية حول العالم زارت فيها 112 دولة من أجل أقناع حلفاء أمريكا بشرعية المشاريع الطائفية التي نفذتها خلاياها الخبيثة في مصر وسوريا وليبيا والعراق والسودان واليمن وتونس ولبنان.ترى إلى أي مدى وصل بنا الانهيار والتفكك حتى تضحك علينا أمريكا بهذه البساطة ؟، وما الذي فعلته مؤسساتنا الوطنية حتى الآن في التصدي لمخططاتها ؟، ومن ذا الذي ينبري لكشف أهدافها العدوانية البغيضة ؟؟.

التعليقات معطلة